منتديات امواج اسكندرية
منتديات أمواج اسكندرية ترحب بجميع الزائرين الكرام ونزداد شرفا بتسجيلكم لدينا .. وافر احترامي لكم .....(محمد خليف - مؤسس المنتدى)


(يوسف خليف)
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جالتسجيلدخول
وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ

شاطر | 
 

 تأملات فى سورة الأنعام

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد خليف
مؤسس المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 194


مُساهمةموضوع: تأملات فى سورة الأنعام   الثلاثاء 16 أغسطس 2011, 1:17 am

تبدأ
سورة الأنعام بالتعجب من الكفار الذين يرون آيات الله فى الكون ثم يعدلون
بربّهم أصناما وأوثانا, ويَمترون فى قدرته سبحانه وتعالى, يقول الحق جل
وعلا :


-
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ
الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
(1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ
مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2)
الحمد
لله .. بدأت بِها سور الفاتحة والأنعام والكهف وسبأ وفاطر , وانتهت بِها
سور الإسراء والنمل والصافات والزمر , واقترنت بخلق السماوات والأرض فى
سورة الأنعام وفاطر ولقمان الآية 25 ,

الحمد
لله رب العالمين (الفاتحة) الذى خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور
(الأنعام) , الذى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا (الكهف) , الذى له
ما فى السماوات وما فى الأرض .. (سبأ) , فاطر السماوات والأرض جاعل
الملائكة رسلا .. (فاطر) , على كل هذه النعم نحمده سبحانه وتعالى, ومن أجل
هذه القدرة المطلقة التى تفرد بِها نحمده ونعبده ولا نشرك به شيئا, فالتفرد
بالقدرة المطلقة لا يعنى إلا التفرد بالعبادة, هذا هو ما تقضى به طبيعة
الأشياء, وطبيعة الوجود, ولكن الذين كفروا يشركون فى عبادته سبحانه وتعالى
ما لا ينفع ولا يضر ولا يَملك من أمر نفسه شيئا. والإشراك بالله قائم ما
قامت الحياة الدنيا, قائم على أية صورة من الصور, ولكن الأمر الجلل الذى
ينتهى إليه الشرك والعياذ بالله أن يعدل المرء بالله أصناما صنعها بيده ثم
انكب على عبادتِها, ليس هذا فحسب بل يجعل لها نصيبا مما خلق الله, وهذا ما
سوف تنبئنا به السورة بعد ذلك, الأمر الجلل أن يعدل الناس بربّهم أى شىء فى
هذا الكون مهما كان قدره, وأن يشكوا فى قدرته وفى حكمه وفى ألوهيته سبحانه
وتعالى علوا كبير عما يفعل هؤلاء المشركون.

بعد
ذلك تتوالى الآيات التى تَهتز لها قلوبنا, وتتيقظ لها جوارحنا, هذه الآيات
تنبهنا من غفلتنا, وتجعلنا نتحسس مواضع أقدامنا ونحن نخطو ولو خطوة واحدة
فى طريق الحياة, نقف بداية عند الآيات التى تحمل دلالات على قدرة الله
المطلقة, وتبعث على التفكر فى خلقه سبحانه وتعالى, وتدعونا إلى الإيمان
المطلق بوحدانيته, وبعظيم شأنه, وبتفرده سبحانه بالهيمنة على هذا الكون,
فهو وحده سبحانه وتعالى المتحكم فى تصريف أموره, وأمور الخلق أجمعين, ولنا
مع السورة وقفات أخرى إن شاء الله :

- وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)
تضعنا
هذه الآية أمام قوة مطلقة القدرة, قوة تجعلنا نفزع إلى الله فى كل أحوالنا
وترتعد فرائصنا حين يُلقى فى روعنا أنه سبحانه وتعالى مطلع على كل ما يصدر
منا من أقوال وأفعال سواء كانت فى السر أو فى العلن, ومطلع على كل نأخذ من
هذه الدنيا بحق أو بغير حق, وتعبير (هو الله) فى ذاته يصل بالمؤمنين إلى
أبعد حدود الخوف والوجل قال تعالى فى سورة الأنفال {إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ
وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى
رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
(2)}, وقد استهلت بِهذا التعبير سورة اخلاص,{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)}
كما ورد فى سورة سبأ على سبيل التأكيد على وحدانية الحق سبحانه وتعالى,
قال عز من قائل {قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ
كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
(27)},
وورد فى سورة الزمر على سبيل تنزيهه جل وعلا عن أن يكون له ولد, قال تعالى
{لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ
مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ(4)} واستهلت
به ثلاث آيات فى سورة الحشر, قال تعالى { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ
إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ
الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ
الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ
الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ
الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى
يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ (24)} وفى سورة الكهف ورد هذا التعبير على لسان صاحب صاحب
الجنتين الذى راجعه فيما ذهب إليه من كبر وخيلاء, مؤكدا إيمانه المطلق
بوحدانية الحق عز وجل, قال تعالى {لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا
أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا
(38)}

- وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13)
[مَا
سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ] أى ما ثبت واستقر فلا يذهب به ليل ولا
يذهب به نَهار, وهذا يدل على أن قدرة الله سبحانه وتعالى غير محدودة
بزمان, وأن ملكه باق بإذنه إلى أبد الآبدين, والحق سبحانه وتعالى له ما سكن
وما تحرك وإنّما اختص ما سكن لأنه أبين للناظر وأوضح, جاء فى القرطبى أن
هذه الآية نزلت لأن كفار مكة قالوا للرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
: علمنا أنه ما يحملك على ما تفعل إلا الحاجة، فنحن نجمع لك من أموالنا
حتى تصير أغنانا؛ فقال الله تعالى : أخبرهم أن جميع الأشياء لله، فهو قادر
على أن يغنيني.

- وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18)
{القاهر
أى الذى له الغلبة, والفوقية هنا فوقية الاستعلاء لا فوقية المكان}
(القرطبى), وحينما يقول الحق سبحانه وتعالى "فوق عباده" فالمعنى جميع خلقه,
من يعبدونه مجبورين, ومن يعبدونه مختارين, ومن لا يعبدونه, ومن يشركون به
ما لا لم ينزل به سلطانا, لأن فوقية القهر لا تستثنى أحدا من خلقه, فهو
سبحانه المصرف أمورهم بحكمته البالغة, وعلمه بأحوالهم, وأحوال الكون كله
بِما فيه ومن فيه, فهو الحكيم الخبير, أيضا هم عباده على اعتبار أن الحكمة
من خلقهم هى عبادته عز وجل, قال تعالى فى سورة الذاريات [وَمَا خَلَقْتُ
الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
(56)],
فهم عباده سواء حققوا هذه الحكمة وآمنوا به سبحانه وعبدوه ولم يشركوا به
شيئا أو استكبروا, وكفروا به سبحانه وأشركوا به ما لا ينفع ولا يضر. فهذه
حكمته سبحانه وتعالى وهو الخبير بأمور خلقه.

- وَعِنْدَهُ
مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي
الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا
وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي
كِتَابٍ مُبِينٍ (59)

[وَعِنْدَهُ
مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ], نحن أمام قوة عظمى تصغر
إلى جانبها كل القوى وتتضاءل, فمهما يكن من أمر أية قوة فإنّها لا تستطيع
أن تعلم شيئا ولو يسيرا من الغيب الذى احتفظ بعلمه المولى جل وعلا,
فنحن طوع يَمينه سبحانه وتعالى, يعلم عن خلقه كل صغيرة وكبيرة {يَعْلَمُ
خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)}غافر, [وَيَعْلَمُ
مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ], ما هنا ينبسط معناها ليشمل كل ما فى البر
والبحر من أحياء ونباتات وجمادات, كل ما فى هذا الكون لا يُستثنى منه شىء,
ليس هذا فقط بل إن علمه سبحانه وتعالى يتسع ويَمتد ليشمل حتى الورقة التى
تسقط من شجرتِها, حتى الحبة التى تسقط فى ظلمات الأرض, حتى الرطب واليابس
.. كل هذا يعلمه الله, وكل هذا يقع فى باب الترهيب, الترهيب الذى يقود
العقل إلى التفكير والقلب إلى التدبر فى ملكوت الله, هل يُمكن أن يكون هناك
إله غيره؟ كلا سبحانه وتعالى عما يشركون, إذًا الترهيب هنا يقع فى دائرة
التوحيد,

-
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ
بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمّىً ثُمَّ
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
(60)

تأتى
هذه الآية لتبين هيمنته سبحانه وتعالى على البشر أجمعين, فهو الذى
يتوافاهم بالليل, {أي ينيمهم فيقبض نفوسهم التي بِها يُميزون، وليس ذلك
موتا حقيقة بل هو قبض الأرواح عن التصرف بالنوم كما يقبضها بالموت. والتوفي
استيفاء الشيء. وتوفي الميت استوفى عدد أيام عمره، والذي ينام كأنه استوفى
حركاته في اليقظة
}(القرطبى) ,
ويعلم ما جرحوا بالنهار وهى كلمة جامعة لكل حركة يؤديها الإنسان بجوارحه فى
حياته حال اليقظة, وهكذا تَمر الأيام بالناس إلى أن يُستوفوا أجلهم
فيقبضهم الله إليه, ثم إليه يرجعون ليحاسبهم عما كان منهم, فكل حركة يؤديها
الإنسان, يؤديها بكامل اختياره, إلا ما اضطر إليه من قبل ذى سلطان أو من
قبل من هو أقوى منه, فما اضطر إليه وهو كاره له لا يحاسب عليه, وما كان
باختياره فهو عليه محاسب إن خيرا فخير وإن شرا فشر. والله سبحانه وتعالى هو
المطلع على أحوال الناس, وهو الذى يحاسبهم على أعمالهم, من عمل صالحا
فلنفسه ومن أساء فعليها,

- وَهُوَ
الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا
جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا
يُفَرِّطُونَ(61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا
لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)

وهو
القاهر فوق عباده, تأكيد لما جاءت به الآية (18) فمسألة النوم هذه شكل من
كون الحق سبحانه وتعالى قاهرا فوق عباده, ينيمهم بقدرته, ويوقظهم بقدرته
والحفظة هم الملائكة الذين يكتبون الأعمال, ولا يفرطون أى يكتبون كل شىء
مهما كان صغيرا, أو مهما تناهى فى الصغر. وقد تجلت هذه القدرة فى قصة أصحاب
الكهف فقد أنامهم الله سبحانه وتعالى ثلاثَمائة سنة وازدادوا تسعا, لم
يؤثر فيهم الزمن, ولم يتأثروا بِما يتأثر به الناس عادة إذا طال بِهم النوم
عدة ساعات, ولكن كأن المولى جل وعلا أوقف الزمان من أجلهم, ليعلموا أن وعد
الله حق وأن الساعة لا ريب فيها, هذا ولنا مع هذه القصة وقفة لاحقا إن شاء
الله.

هذه
الهيمنة الكاملة على الكون وعلى البشر من قبل المولى جل وعلا حال يقظتهم
وحال نومهم, وهذه الرهبة التى تبعثها هذه الآيات المتتاليات فى النفس تقتضى
أن نفكر فى هذا الملكوت, وفى هذه القدرة الخالقة المهيمنة غير المحدودة,
ثم يقودنا التفكير حتما إلى الوحدانية, وحدانية الله عز وجل وتفرده سبحانه
بالقدرة المطلقة فى هذا الكون.
[مَوْلاهُمُ
الْحَقِّ], هذا التعبير القرآنى يشرح لنا ما نراه اليوم من تولى بعض البشر
بعضا, واتخاذ من أوتى ملكا أو سلطانا أو مالا وليا فى حياته الدنيا
,يدينون له بالولاء والطاعة ولو فى معصية الله, أو فيما لا يرضيه عز وجل,
فإذا ردوا إلى الله بعد إذ تتوافهم ملائكته, عرفوا أنه سبحانه مولاهم الحق,
الذى لا مولى غيره, له وحده الحكم, وهو أسرع المحصين لأعمالهم.

- وَهُوَ
الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ
كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي
الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ
(73)

وقد تكلمنا عن هذه الآية فى موضوع مستقل بعنوان آية وتأملات فى ملتقى تفسير القرآن، بمنتدى أهل التأويل, يمكن الرجوع إليها
-
إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ
الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى
تُؤْفَكُونَ (95) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ
الْعَلِيمِ (96)
الآية
الأولى اختتمت بـ [فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ] أى كيف تضلون, وتعبدون غير الله
عز وجل, والملاحظ أن ختام الآية جاء موافقا لصدرها الذى يتحدث عن آية واضحة
الدلالة على قدرة الله سبحانه وتعالى, تلك هى عملية إخراج الحى من الميت
وإخراج الميت من الحى, وهى عملية معجزة بكل ما تحمله الكلمة من معنى, تعجز
من يتصدى لها, وتظهر مدى ضعفه وهوانه أمام قدرة الله عز وجل, فكيف يُعبد
غير الله الذى يرينا عجائب خلقه فى كل حين,

الآية
الثانية اختتمت بـ [ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ], والتقدير قد
يصيب وقد يخطئ, ولكن تقدير الذى عز سلطانه, العليم بأحوال الكون وأحوال
الناس لا يخطئ أبدا, وما جاء فى الآية مثل لهذا التقدير, باق مدى الدهر,
يشهد على عظمة مدبر هذا الكون , فها هو الإصباح ينشق عن الليل الذى جعله
الله سكن , وسير الشمس والقمر بحساب متناه فى دقته ,[لا الشَّمْسُ
يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ
النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) ] يس,

- وَهُوَ
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ
الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97)
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ
وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) وَهُوَ
الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ
كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً
مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ
وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً
وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ
إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)

هذه
الآيات تحمل أيضا دلائل قدرة الله عز وجل فى الكون, فكل آية بينت مظهرا من
مظاهر قدرة الله فى الكون, وقد ذهب المفسرون فيها مذاهب كثيرة, ولكن لم
تقع بينهم خلافات كبيرة فيما تركوه لنا من تفسيرات لهذه الآيات, وإنّما
أوجز بعضهم وأطنب البعض الآخر, بيد أنى أقف قليلا عند ما اختتمت به كل آية
من الآيات الثلاث,

الآية
الأولى اختتمت بـ [قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ], الآية
تتحدث عن شىء غير معلوم إلا لفئة من الناس تسافر عبر الفيافى والبحار,
ويدركهم الليل بنجومه فيهتدون بِها فى سفرهم, لذلك جاء ختام الآية (لقوم
يعلمون), أى لهؤلاء الذين يعلمون أسرار النجوم وطرق الاهتداء بِها ما هو
معروف الآن بعلم الفلك, فهم الأقدر على معرفة قدرة الله عز وجل فى هذا
المجال. ولا يخفى أن هذا العلم تطور تطورا كبيرا فى هذه الأيام, وينسحب
المعنى على كل منحى من مناحى العلم المختلفة تتجلى فيه قدرة المولى جل
وعلا, فيكون للمتخصصين فيه عبرة وعظة دون غيرهم من بنى البشر.

الآية
الثانية اختتمت بـ [قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ],
الفقه فى الأصل هو الفهم واختلافه عن العلم أن العلم قائم على التجربة
والاستنتاج والاستفادة من خصائص الأشياء, أما الفهم فهو قدرة ذاتية تختلف
من إنسان لآخر, قدرة على المعرفة من خلال الملاحظة وإعمال الفكر فى الأشياء
المحيطة, فالفهم أحد وسائل الحصول على العلم كما أن النقل وسيلة أخرى
وهكذا, والآية تتحدث عن مسألة خلق الإنسان, ما ليس لأحد بِها علم فى ذلك
الوقت, لذلك فالآية دعوة إلى إعمال العقل فى مسألة تَمس حياة الناس, تظهر
مدى قدرة الخالق جل وعلا, وبالفعل تطور الفهم الذى دعتنا إليه الآية إلى
علم هو علم الأجنة الذى يبحث فى مسألة خلق الإنسان وتطور حياة الجنين فى
الرحم وما إلى ذلك من أمور تظهر لدى البحث وتضيف إلى هذا العلم الذى يتطور
يوما بعد يوم, ليبقى شاهدا على قدرة الله البالغة. وفيما تناهى إلى علمى أن
الآيات التى ذكرت فى سورة المؤمنون والتى تبين مراحل خلق الإنسان,
[وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ
(12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13)
ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً
فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ
أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ
(14)] كانت سببا فى دخول أحد أساتذة الطب فى الولايات المتحدة الأمريكية فى الإسلام.

الآية
الثالثة اختتمت بـ [إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ],
الآية تتحدث عن شىء يَمس معيشة الناس وأرزاقهم, بل حاجتهم اليومية من
الطعام, ومن إطعام دوابِّهم , إنه المطر الذى بنزوله تحيا الأرض بعد
موتِها, فتنبت الزروع, وتخضر الأشجار, وتخرج الثمار, وتتواصل حياة الناس,
فيهنأون ويسعدون, والمؤمنون منهم يشكرون الله عز وجل على نعمه فيهللون
ويكبرون ويسبحون ويحمدون الله على ما آتاهم من فضله, أما إذا أحجمت السماء
وامتنعت عن إنزال المطر, ساءت أحوال الناس واضطربت معيشتهم, بل إن حياتَهم
ذاتَها يتهددها الفناء, لذلك يصبح الناس أقرب ما يكونون من خالق السماوات
والأرض ومنزل المطر ورازق الدواب والبشر, والمؤمنون من بينهم يدعون الله
ويتضرعون إليه كى ينزل عليهم من المطر ما يحفظ حياتَهم وحياة ماشيتهم ,
ويشعرون بِمدى قدرة الله عز وجل, فهذه الظاهرة التى تتحدث عنها الآية تظهر
إيمان المؤمن, وتجعله دائما قريبا من ربه, لذلك جاء ختام الآية [لِقَوْمٍ
يُؤْمِنُونَ]

- ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)
فى
هذه الآيات اجتمعت أمور كثيرة متعلقة بالعقيدة, فالله هو رب الناس أجمعين,
وهو خالق كل شىء فهو الأحق بالعبادة, وأمر كل شىء فى هذا الكون بيده
سبحانه,
وهو المتفرد بالقدرة
المطلقة, قدرته سبحانه وتعالى على الإحاطة بجميع خلقه, دون أن يحيط به أحد
منهم, فهذه الآية إذًا تقع فى باب الترهيب الذى يقود إلى الإيمان المطلق
بالله القادر على كل شىء, المحيط بجميع خلقه علما, من غير أن يحيط به
سبحانه وتعالى أحد منهم, وفى نفس الوقت هو لطيف بِهم خبير بأحوالهم, بِما
يبدون وما يكتمون , بِما ينفعهم وبِما يضرهم وهكذا.

بعد
هذه الآيات التى عرضت لقدرة الله المطلقة وهيمنته على الكون بِما فيه ومن
فيه, نقف مع هذه الآيات التى تعرض ثوابت العقيدة التى حمل لواءها إلى الناس
كافة رسول الله [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] , عقيدة الإسلام ..

-
قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ
وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
(104) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)

تبين
هذه الآية أحد ثوابت العقيدة وهو أن الإنسان مخير فيما يَملك من وسائل
الإدارك, ومحاسب فيما يعمل فيه هذه الوسائل, فالحق جل وعلا يخبرنا أنه أعطى
الناس بصائر ييصرون بِها, والبصائر هنا كلمة جامعة لكل وسائل الإدراك
كالعقول والقلوب قال تعالى فى سورة الحج [إنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى
القلوب التى فى الصدور (46)], والناس يَملكون القدرة على التمييز, ولهم حق
الاختيار المطلق فى التمتع بِهذه الوسائل الإداركية فمن أبصر الحق واتبعه
فهو المجزِىُّ خيرا, ومن غض بصره عن الحق وسار فى طريق الضلال فهو لن يضر
إلا نفسه, وهكذا يبين الحق سبحانه وتعالى الآيات للناس كما بينها من قبل,
لكى لا يكون لأحد منهم حجة.

- فَمَنْ
يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ
يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا
يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى
الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (125)

الرجس
: النتن, أو هو كل ما استقذر, وكل ما قبح, وقيل هو العذاب وقيل الشيطان,
(كذلك) أى كما يفسح الله صدر من يريد له الهداية, ويوسعه لاستقبال كلمة لا
إله إلا الله, وكما يضيق صدر من يريد له الضلال فلا يستقبلها, يجعل العذاب
على الذين لا يؤمنون, والآية تفسر جانبا من قضية "هل الإنسان مسير أم
مخير", فهدايته وضلاله يدخلان ككل شىء فى هذا الكون فى نطاق إرادة المولى
عز وجل, ولكن ذلك لا ينفى أن الإنسان أعطى الحرية كاملة فى أن يؤمن بالله
ورسوله وما نزل من الحق أو لا يؤمن, وقد شرحنا هذا بالتفصيل فى موضع آخر,
كما تضعنا الآية أمام حقيقة علمية لم يصل إليها العلم إلا فى العصر الحديث
أى بعد مرور أربعة عشر عاما على نزول القرآن الكريم وهى أن كمية الأكسجين
فى الجو تقل فى الأماكن المرتفعة كقمم الجبال, ونحو ذلك, وكلما صعد الإنسان
إلى أعلى كلما زاد شعوره بضيق فى التنفس لازدياد حاجته إلى الأكسجين, وهذا
ما يفسر قوله تعالى (يجعل صدره ...) إلى آخر الآ ية

- وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (127)

[مُسْتَقِيما] لا عوج فيه ولا التواء ولا غموض, وقد نصبت على الحالية,
[وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ]: يشير الحق جل وعلا إلى كل ما أنزل على نبيه [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة],
واعتقادى أنه يخص الآيات التى تبين طريق الهدى والضلال, وتشرع الحلال
والحرام وتتعرض للحساب والعقاب, والآيات السابقة على هذه الآية أشارت إلى
كل هذه المعانى وغيرها. [لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ] يذّكر زيادة فى الذكر,
وهو الذى يتمكن منه الإيمان فلا يسهو عن متطلباته ولا ينسى شيئا من
متعلقاته. وإنّما اختص الحق سبحانه وتعالى هؤلاء لأنّهم الأقوى إيمانا
والأثبت على طريق الهدى, [دَارُ السَّلامِ] الجنة, [وَلِيُّهُمْ] ناصرهم
ومعينهم, [بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] جزاء ما كانوا يعملون من الخيرات.

-
ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا
غَافِلُونَ (131) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ
بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132)

[ذَلِكَ]إشارة
إلى إرسال الرسل ينذرون ويبشرون, غافلون : أى وهم لا يعلمون من أمر دينهم
شيئا, وقريب منه قوله تعالى : [رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً](النساء : 165) , [وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ]
أى لكل إنسان وقيل لكل من الإنس والجن وهو الأصوب فى رأيى والله أعلم,
فالمقصود كل من له الاختيار فى عمله, درجات أى على حسب هذا الأعمال التى
تصدر عنه, والتى لا يسهو الله عز وجل ولا يغفل عنها سبحانه مهما صغرت,

-
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ
وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ
وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ
إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ
لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً
كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142) .

[وهو
الذى ...] الضمير هو متعلق بلفظ الجلالة فى الآية السابقة, فيكون سياق
المعنى (افتراء على الله وهو الذى أنشأ...) أى مع أنه أنشأ, أى لا محل لهذا
الافتراء لأن الله هو الذى أنشأ جنات ... إلى آخر الآية,

وقد
بينت هذه الآية والآية التى تلتها ما خلقه الله سبحانه وتعالى للناس,
وأحله لهم, على أن يؤتوا زكاته, ولا يسرفوا فيه, ولا يتبعوا الشيطان فيما
يأمرهم به, والله أعلم بِمراده. وقد ذكر الحق ذلك أو ما يقرب منه فى الآية
(99) من هذه السورة (الأنعام) على أنه نتيجة لإنزال المطر, وإنبات الزروع
والأشجار, وأمرنا أن ننظر إلى ثَمره إذا أثْمر لأن فى ذلك آيات بينات على
طلاقة قدرة الحق, ما يزيد من إيمان المؤمنين, ويثبت قلوب الموحدين, ولكنه
هنا يأمرنا أن نأكل من ثَمره على أن نؤدى زكاته يوم الحصاد ولا نسرف فى
الأكل, وفى ذلك أدب قرآنى لم تصل إليه المدنية الحديثة إلا بعد قرون. فما
يأمرنا به الحق سبحانه وتعالى هو مما تقضى به العقيدة التى ترتكز على مبدأ
التوحيد, ثم يذكر لنا المولى عز وجل نعمة أخرى من نعمه التى لا تحصى, وهى
الأنعام التى سخرها لنا, فيأمرنا سبحانه وتعالى أن نأكل منها, ولا نتبع ما
يُملى علينا الشيطان من أشياء ما أنزل الله بِها من سلطان, وهاتان الآياتان
تُمهدان لموضوع السورة وهو على ما أعتقد تثبيت عقيدة التوحيد من خلال
تفنيد مزاعم المشركين فى تحريم ما أحل الله.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://kholif.forumegypt.net
محمد خليف
مؤسس المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 194


مُساهمةموضوع: رد: تأملات فى سورة الأنعام   الثلاثاء 16 أغسطس 2011, 1:21 am

[center](2)
عقيدة
التوحيد هى عقيدة الفطرة السليمة, لذلك أشارت الآية الكريمة [قُلْ
إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً
مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161)] إلى
أن الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
إنّما يتبع ملة إبراهيم عليه السلام, لأن سيدنا إبراهيم أنكر بفطرته
السليمة ما كان يعبد قومه من أصنام يظلون عليها عاكفين. وقد تفردت سورة
الأنعام بالإشارة إلى قصة اهتداء سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى عبادة الله
الواحد, قال تعالى :

[وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ
لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ
فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا
جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا
أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ
بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي
رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأى
الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ
قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ
وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا
أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)]

من
هذه الآيات يتضح أن سيدنا إبراهيم عليه السلام أنكر بداية على أبيه وقومه
أن يتخذوا الأصنام التى يقومون بصنعها آلهة, فإنكار المنكر والنهى عنه جزء
لا يتجزأ من العقيدة الصحيحة, إذ كيف يتفق الإيمان بالله الواحد مع إقرار
ما يؤتى بِِما ينافى هذا المعتقد وينقضه على أى صورة من الصور. وسيدنا
إبراهيم عليه السلام أنكر بفطرته السليمة هذا الفعل الشائن, فهو إذًا مهيأٌ
لتلقى ما ينسجم مع فطرته من معتقدات, فأراه الله ملكوت السماوت والأرض,
ونقف هنا مع الفعل (نُرِى) فهو فعل متعدٍ لمفعولين إبراهيم المفعول الأول
وملكوت المفعول الثانى, وأراه الشىء مكّنه من رؤيته, أو أطلعه عليه, ولا
يتفق هذا المعنى عادة إلا مع الأشياء الخافية أو المحجوبة, ولكن السماوات
والأرض ليست من الأشياء الخافية على سيدنا إبراهيم عليه السلام, فالمعنى
هنا إذًا نجعله يرى ويتفكر فى خلق السماوات والأرض بقصد هدايته إلى لب
العقيدة الصحيحة وهو أن وراء هذا الملكوت قوة مطلقة القدرة أوجدته وهيمنت
عليه, ثم قصت علينا الآيات طرفا من تفكره عليه السلام فى هذا الملكوت إلى
أن تبرأ من الشرك بالله, ووجه وجهه للذى خلق السماوات والأرض, معلنا إيمانه
بالله جل وعلا. أى أن مجرد التفكر فى مسألة الخلق بصفة عامة وخلق السماوات
والأرض بصفة خاصة يهدى إلى الإيمان بالله على أنه خالق هذه الأشياء,
وموجدها من العدم, لذا بدأت السورة بحمد الله الذى خلق السماوات والأرض
وجعل الظلمات والنور أى لم يدع فرصة لمتشكك لأن يبدى تشككه فيما يرى من
آيات دالة بصورة قطعية على وجود الله ووحدانيته وهيمنته على كل شىء فى هذا
الوجود. وإنّما اختصت الآية خلق السماوات والأرض لأنه ظاهر للعيان, لا تخفى
دلالته على كل ذى لب, وكذلك تعاقب الظلمات والنور بِهذا النظام البديع ,
قال تعالى [إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ
اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الأَلْبَاب] (آل عمران (190)

نعود
إلى قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام مع قومه لنجد أنّها وردت فى سور
الأنبياء والشعراء والعنكبوت والصافات والزخرف, إلا أنّها وردت فى سورة
الأنعام مقترنة بقصة اهتدائه عليه السلام إلى الحقيقة التى قادته إلى
الإيمان بالله عز وجل, وقد تفردت سورة الأنعام بِتفصيل هذه القصة التى وردت
مجملة فى الآية 88 من سورة الصافات (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ)
ولم ترد فى سورة أخرى , لأنّ سورة الأنعام – والله أعلى وأعلم – تتحدث عن
العقيدة وكل ما يتصل بِها . فكأن ورود هذا المشهد من قصة سيدنا إبراهيم
عليه السلام بِها واختصاصها به إنّما أراد به المولى عز وجل أن يرسخ
العقيدة فى نفس سيدنا محمد [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة],
ومن تبعه من المؤمنين, بعد ذلك تورد الآيات مشهدا آخر من قصة سيدنا
إبراهيم عليه السلام مع قومه, تؤكد فيه على ثوابت عقيدة التوحيد , وتَمسكه
عليه السلام بِها فى مواجهة الشرك الذى يصر عليه قومه,

-
وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا
أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ
رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ
(80)
وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ
أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً
فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
(81)
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)

[وَحَاجَّهُ
قَوْمُهُ] أى جادلوه بالحجة, [وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ]
لم يخلطوا إيمانَهم بظلم أى بشرك. وهنا تقص علينا الآيات طرفا آخر من قصة
سيدنا إبراهيم مع قومه, وحجته الدامغة التى أبطل بِها حججهم الواهية, فالحق
جل وعلا هو الذى أتاه الحجة لحكمة يعلمها هو سبحانه, فهو الحكيم العليم,
يرفع درجات من يشاء. كذلك كان فى ورود هذا الجزء من قصة سيدنا إبراهيم مع
قومه, وثباته على الحق, تسرية عن الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
إزاء ما تقابل به الدعوة من تكذيب وإنكار وجحود, خصوصا بعد أن اختتمت
القصة بذكر هذا العدد الكبير من أسماء الأنبياء الذى لم يجتمع بِهذا الشكل
فى سورة أخرى غير هذه السورة.

يقول
الحق عز وجل :[وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا
وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ
وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ
نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ
كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ
وَلُوطاً وَكُلّاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آبَائِهِمْ
وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ
إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ
يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ (88) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ
وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا
قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى
اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90)]

ذكر
الحق جل وعلا هؤلاء الرسل عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام, على أنه
سبحانه هو الذى اجتباهم أى اختارهم واصطفاهم من بين عباده, وهداهم إلى
الصراط المستقيم, [ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ
عِبَادِهِ], تشير الآية إلى الحقيقة التى أشارت إليها آيات كثيرة فى سورة
الأنعام كما بينا فى موضع آخر, حقيقة أن الله يهدى من يشاء ويضل من يشاء,
حتى تترسخ هذه الحقيقة فى القلوب لأنّها جزء من العقيدة لا ينفصل عنها,
[وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] لو هنا
للتعبير عن استحالة وقوع الحدث, وحبط أى فسد وأصله حدوث انتفاخ فى بطن
الماشية من كثرة الأكل مع عدم إخراجه, مع ما يتبع ذلك من متاعب قد تؤدى إلى
موتِها, [فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ] بِها أى بالنبوة لأنّها جامعة
للكتاب والحكم [وَكَّلْنَا بِهَا] أى وكلنا أمر الإيمان بِها, [ أُولَئِكَ
الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ], أولئك أى الذين آتيناهم
الكتاب والحكم والنبوة , اقتده من الاقتداء وهو اتباع الأثر , [قُلْ لا
أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ] ,
هو أى القرآن وكذلك الهاء فى عليه متعلقة بالقرآن الكريم أيضا.

التسرية عن الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
هذا والتسرية عن الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
من الأمور المتصلة اتصالا مباشرا مع العقيدة, ذلك لأن الدعوة إلى الإيمان
بعقيدة التوحيد التى بُعث بِها محمد صلوات الله وسلامه عليه, كانت تقابل
بكل ألوان التكذيب والإنكار والاستهجان والإيذاء من قبل هؤلاء المشركين,
لذا كان لابد أن يسرى الله عز وجل عن نبيه [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة],
ولا يتركه نَهبا للمواقف التى كان يتعرض لها وهو يدعو إلى عبادة الله
الواحد, وأن يوجهه إلى ما يفعله إزاء تعنت المشركين وكفرهم, وهذه وقفة مع
الآيات كان يسرى بِها المولى عز وجل عن الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة].

- فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5)
فى
هذه الآية نجد أن التكذيب وراء ما ذكره المولى جل وعلا فى الآيات السابقة
على هذه الآية من أفعال الكافرين, فلأنّهم كذبوا بالحق عدلوا بربّهم
وامتروا فى حكمه وأعرضوا عن آياته, ذلك ليبين الحق جل وعلا للرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
أن تكذيبهم هو أصل كل ما يصدر عنهم من أفعال, والحق سبحانه وتعالى يتوعد
هؤلاء بأنّهم سيعرفون حقيقة ما يستهزئون به يوما , قال المفسرون إنه يوم
بدر وقال آخرون يوم القيامة وهو عندى الأصوب والله أعلم

- وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10)
ولقد
استهزئ برسل أى بِما جاء به الرسل, فالضمير فى (به) متعلق بِما جاء به
الرسل, حاق بِهم أى أحاط بِهم, ما كانوا به يَسْتَهْزِئُونَ أى جزاء ما
كانوا به يَسْتَهْزِئُونَ وهو العذاب الشديد, وفى الآية وعيد لأولئك
المشركين, وإنّما أراد الحق عز وجل أن يطمئن نبيه [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] ويسرّى عنه بذكر ما كان يحدث لرسله عليهم السلام.

-
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ
يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)

هذه الآية علاوة على أنّها تسرى عن الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة],
تبين بل تقطع بأن ما يصيبنا من ضر أو من خير فهو من عند الله عز وجل, وأنه
وحده القادر على أن يكشف عنا الضر, وهو وحده القادر على أن ينالنا الخير .
فهل بعد أن يضع الإنسان هذه الحقيقة الناصعة فى اعتباره حين يصاب بِمكروه
يُمكن أن يجزع أو ييأس من رحمة الله ؟ لا أعتقد

-
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا
يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا
وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ
وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ (34)

قلنا إن التكذيب هو أساس الضلال, والمشركون حينما يكذبون الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
فيما أتاه من ربه, فحقيقة الأمر أنّهم إنّما يجحدون بآيات الله, هكذا يدفع
الله عز وجل عن نبيه الحزن, ويسرى عنه, ليس هذا فحسب ولكنه سبحانه يخبره
بأن الرسل من قبله كذبوا أيضا فصبروا على ما لاقوا من تكذيب وإيذاء, حتى
أتاهم نصر الله. ولا مبدل لكلمات الله أى لا مبدل لحكمه ولا مخلف لوعده
(القرطبى) قال تعالى فى سورة الصافات [وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا
لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ
(171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)] سبقت كلمتنا أى حكمنا ووعدنا, [وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ] أى جاءك ما يبين لك ذلك,

-
وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ
آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (48)
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا
يَفْسُقُونَ (49)

هذا
هو دستور الدعوة إذا صح هذا التعبير, فالرسل عليهم السلام ليسوا إلا
مبشرين ومنذرين, وكذلك كل من يحمل لواء الدعوة فى كل زمان ومكان, فمن آمن
وأصلح فقد نجا, ومن كذب فقد وقع فى العذاب, نلاحظ أن (آمن) أتبعت بـ (أصلح)
ذلك لأن الإيمان وحده لا يكفى إذ لابد أن يتبع بالأعمال الصالحة, لذلك
نجد أن عبارة [الذين آمنوا وعملوا الصالحات ..] وردت فى القرآن الكريم فى
خمسين موضع, وقعت فى ثلاث وثلاثين سورة, ولنا عندها وقفة لاحقا إن شاء
الله. [يَفْسُقُونَ] الفسق العصيات وترك أوامر الله, والخروج عن طريق الحق,
وأصله فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرتِها, و[بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ] أى
جزاء ما كانوا يفسقون,

-
اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا
وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ
(107)

الأمر إلى الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] بأن يتبع ما أوحى إليه من ربه, ونحن مأمورون أيضا أن نتبع ما أوحى إلى الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
من ربه, وكما أمره رب العزة سبحانه وتعالى أن يعرض عن المشركين, فنحن أيضا
مأمورون أن نعرض عنهم, فهذا هو سبيل الحق الذى يجب أن تسير فيه حياتنا,
ونحن على قناعة تامة لا تشوبُها شائبة من شك أنه الطريق المستقيم الذى فى
نِهايته فلاح الدنيا والآخرة, وما دونه هو الباطل الذى فيه الهلاك لنا فى
الدنيا والآخرة, فالحق سبحانه وتعالى يطمئن الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] ويسرى عنه, كذلك يطمئننا ويسرى عنا حينما يصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر, كما أخبرنا رسول الله [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة],
وحينما يصبح الإسلام غريبا فى أرضه, كما هو حاصل فى هذه الأيام. ثم تأتى
الآية التالية بحقائق هى من مفردات العقيدة التى يجب الإيمان المطلق بِها,
فكونُهم مشركين فذلك بإرادة الله عز وجل ومشيئته إذ لو شاء الله ما كانوا
مشركين, الثانية أن الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] ليس عليهم حفيظا أى ليس مكلفا بحفظهم من العذاب, الثالثة أنه [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] ليس وكيلا عليهم, أى ليس قيما على أرزاقهم وأمورهم. إنّما هو نذير وبشير, يبلغ رسالة ربه كم أمر سبحانه وتعالى.

-
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ
وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)
وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)

[وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ]
شياطين بدل من عدوا, وغرورا مفعول لأجله, نحن أمام حكمة بالغة تنطوى عليها
مشيئة الله عز وجل, إذ جعل لكل نبى عدوا من شياطين الإنس والجن, ربّما تكون
هذه الحكمة غير معلومة لنا, وربّما تتكشف لنا ذات يوم, ولكن لا نشك أبدا
فى عظيم مراده منها سبحانه وتعالى, [وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوه],
لو شاء ربك ما أوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا, من هؤلاء ؟ إنّهم
شياطين الإنس والجن, أعداء الأنبياء على مر العصور, شياطين الإنس والجن
الذين ينمقون أحاديثهم, ليبعدوا الدين عن الحياة, وينشئوا هم الدساتير التى
تنظم المجتمعات, ربّما لا نعرف نحن كنه شياطين الجن, ولكن شياطين الإنس قد
ظهروا فى كل العصور, وفى أيامنا ظهروا فى قنوات الإعلام المختلفة, ظهر
أعداء النبى محمد [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
خاتم الأنبياء, وأعداء الدين الإسلامى الحنيف, سمعناهم ينظرون للحياة وهم
بعيدون عن قواعد الدين, بل يهزأون بِهذه القواعد, يقولون إنّهم علمانيون,
ويقولون ليبراليون, ويقولون غير ذلك من مسميات لا يعييهم ابتداعها, سمعناهم
يسخرون من الرسول صلوات الله وسلامه عليه, ومن الدين الإسلامى الحنيف, وقد
لا نعجب كثيرا إذا ظهروا من بين أعداء الإسلام, ولكن العجب كل العجب أن
يظهروا من بين المسلمين, وقد أوتوا من زخرف القول ما يسلب الأفئدة, ويسحر
الألباب, ولكن الله عز وجل ينبئنا أنّهم موجودون فى كل مكان وفى كل عصر
وأوان لحكمة بالغة لا يعلمها إلا هو, فحينما نستمع إلى افتراءات هؤلاء, لا
نعجب فلو شاء الله ما فعلوه, فلنتركهم وافتراءاتِهم, نتركهم لمن لا يؤمنون
بالآخرة, فسوف يصغون إلى ما يقولون ويرضون عنه, وهم بذلك يقترفون من الآثام
ما يقترفون. إن هذه التسرية اللطيفة عن الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة],
إنّما هى تسرية عنا أيضا حينما تَمتلئ القنوات الإعلامية بِهؤلاء الشياطين
الذى يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا, فهذه حكمة بالغة لرب العزة
سبحانه وتعالى ....

-
أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي
بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ
مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا
لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا
يَشْعُرُونَ (123)

[أَوَمَنْ
كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ] هو المؤمن يتخلص من براثن الكفر, وينتقل
إلى رحابة الإيمان, [وَجَعَلْنَا لَهُ نُورا], أى تشريعا من عند الله عز
وجل يهديه إلى الصراط المستقيم, [كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ], أى
الكافر يؤثر حياة الكفر, ويستمرئ تشريعات ما أنزل الله بِها من سلطان,
[لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا] هكذا سبق فى علم الله سبحانه وتعالى أنه لن
يترك حياة الكفر حتى يقضى أجله, [كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا
كَانُوا يَعْمَلُونَ] زين لهم أى رأوه حسنا قال تعالى [قُلْ هَلْ
نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً
(103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104)
] (الكهف), [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ
مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا], المكر هو الاحتيال فى خفية فإن كان لشىء حسن
فهو حسن, وإن كان لشىء سيئ فهو سيئ, والمقصود هنا المكر السيئ لاقترانه
بالإجرام, [وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ], وقريب منه قوله
تعالى [وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ (43)] (فاطر),
هذا وعلى سبيل التسرية عن الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه, وتثبيته
فى ميدان الدعوة, وردت فى سورة الأنعام آيات كثيرة تبدأ بكلمة (قل), وآيات
تكررت فيها هذه الكلمة أكثر من مرة, هذه الآيات تتضمن توجيهات من الله عز
وجل لنبيه [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
فيها الأمر وفيها النهى وفيها الإقرار, وكلها إجمالا ترسم صورة الإسلام
الصحيحة التى ينبغى للمسلم الحق أن يكون عليه, كذلك ترسم الآيات صورة
لخطوات الداعية, وتحدد موقفه ممن يدعوهم إلى دين الإسلام, فإن هذه الصورة
من الأهمية بِمكان لإنجاح هذه الدعوة كما لا يخفى على أحد, هذا ولأن
التوحيد هو الدعوة التى قام عليها الإسلام, فقد أشارت إليه الآيات فى أكثر
من موضع, وأوضحت معناه حتى لا يلتبس الأمر على أحد, فيقع فى الشرك والعياذ
بالله بصورة أو بأخرى. والواضح من هذه الآيات أن الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
فى مجال الدعوة إلى دين الحق كان يتعرض إلى محاورات طويلة .. وجدل عقيم,
يصل إلى حد أنّهم كانوا يدعونه إلى عبادة أصنامهم من دون الله, لذلك كان
الحق سبحانه وتعالى, يدفع عنه ضلالهم, ويثبته على الحق بالحجج الدامغة
والبراهين الساطعة على وحدانية الله وأحقيته بالعبادة, فهذه الآيات بِمثابة
الحصن الذى تحصن به الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة], وهو ينطلق بدعوة الحق, دعوة لا إله إلا الله, إلى الكفار والمشركين, ليخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربه.

- قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)
الاتعاظ
والاعتبار بالسابقين من سمات ذوى العقول النابِهة والقلوب الواعية, لذلك
كانت هذه الدعوة لتتبع أخبار الأقوام السابقة الذين كذبوا رسلهم كأقوام عاد
وثَمود وما أصابَهم جراء تكذيبهم من السبل التى أراد المولى عز وجل أن
يسلكها نبيه [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] لإبلاغ رسالته, فهذه الآية أيضا دعوة للاعتبار بِمآل المكذبين من الأمم السابقة,
دعوة
إلى السير والبحث والتنقيب عن أخبار الأولين والآخرين, دعوة إلى دراسة
التاريخ - بلغة العصر - دراسة مستفيضة, من أوجهه المختلفة, ومن زواياه
المختلفة, فالتاريخ ملىء بالعبر, تكاد تنطق أحداثه بالحق, الحق الذى قد
تغيبه أحداث الحاضر, الحق الذى قد تتجاهله أقلام تسطر الكتب عن حقبة أو حقب
مضت, ولكنها سرعان ما تنكشف, ويظهر الحق ولو كره الضالون المضلون.

- قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ
خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (12)

هذا
السؤال المعجز (لمن ما فى السماوات والأرض) الذى ليست له إلا إجابة واحدة
لدى الأولين والآخرين, هى (لله) كفيل بأن يجعل كل من يسمعه يؤمن بالله عز
وجل ويُفرد له العبادة والوحدانية , إلا أولئك الذين طمس الله على قلوبِهم,
فخسروا أنفسهم, تجدهم يفرون منه ولا يطيقون سماعه أو كما قال الشاعر
(ورُبَّ مُنتصتٍ والقلبُ فى صَممِ) , فمن أقر بوحدانية الله سبحانه وتعالى
فقد نالته رحمة ربه, ومن خسر نفسه فهو الذى يستكبر ويصر على التكذيب
والإشراك, وسوف يجمع الله الناس يوم القيامة فيحاسبهم على أعمالهم إن خيرا
فخير وإن شرا فشر. هذا هو مضمون الآية والله أعلى وأعلم بِمراده, إلا أنى
أقف هنيهة عند ذكر الرحمة عقب إجابة السؤال المعجز الوحيدة وقبل الإخبار عن
البعث والحساب, والتفسير عندى أن الحق سبحانه وتعالى, يطمئننا إلى أنه كتب
على نفسه الرحمة, مع أن له ملك السموات والأرض, ومن رحمته جل وعلا أن جعل
الحساب والعقاب يوم القيامة, حتى تكون هناك فرصة لإعمال العقل فى ملكوت
السماوات والأرض, والاهتداء إلى طريق الحق.

-
قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ
مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) قُلْ إِنِّي
أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
(15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16)

كان المشركون يدعون الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] أن يتخذ من آلهتهم أولياء يقر لهم بالربوبية من دون الله عز وجل , وبالطبع كانت تقابل هذه الدعوة بالرفض والاستنكار من قبل الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة],
ولكن فى هذه المواقف لا يكون الرفض بكلمة واحدة ينتهى عندها الموقف, فالذى
يرفض هو رسول الله إلى هؤلاء وحامل رسالة التوحيد إليهم, إذًا لابد من
تبرير الرفض بِما يتضمن دعوة هؤلاء المشركين إلى عبادة الله الواحد, لذلك
نجد الاستفهام الإنكارى [
قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً] يدل على هول ما يدعونه [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
إليه وهو اتخاذ من هو دون الله وليا, وفيه ما فيه من شرك وإقرار له
بالربوبية, والله هو خالق السماوات والأرض ورازق جميع خلقه وكفى بذلك دليلا
على ألوهيته سبحانه وتعالى وربوبيته, وأحقيته بالعبادة, وهكذا بين لهم أن
الله سبحانه وتعالى هو الأولى بالعبادة فهو الخالق وهو الرازق, أى تضمن
إنكاره [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] لما يدعونه إليه الدعوة

إلى
عبادة الله الواحد, بعد ذلك نجد أن الرسول عليه الصلاة والسلام يقطع على
المشركين أى حديث فى هذا المجال بإقرار أنه أمر بأن يكون أول من أسلم لله
تعالى ولا يكونن من المشركين, أخيرا يبين لهم الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
ما فى هذا العمل المرفوض من عصيان لله تعالى, وأنه يخاف عذاب يوم القيامة
جزاءً لهذا العصيان, وأن الفوز المبين فى أن يصرف هذا العذاب عن المرء فى
ذلك اليوم العظيم, وهكذا نجد أن التهديد والوعيد بالعذاب يوم القيامة جزء
لا يتجزأ من الدعوة إلى عبادة الله الواحد

- قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ
شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ
هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ
لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ
إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)

[قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ...] هذه
الآية قطعت بعدة حقائق لا شك فيها ولا مراء ؛ أولها أن القرآن هو الشاهد
على أن الإسلام هو الدين الحق, وأن عدم الإيمان به لا يعنى عدم الاستشهاد
به فى المحاورات مع الكفار والملحدين, فالقرآن عدة المسلم وذخيرته فى أى
حوار, ثانيا القرآن نزل على محمد [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
لينذر به كل من بلغه هذا القرآن فى كل زمان ومكان. ثالثا يجب أن يتبرأ
الداعى إلى الإسلام مما يشرك به المشركون ولا يجادلهم إذا شهدوا بأن مع
الله آلهة أخرى. رابعا : لا تصح الشهادة إلا بالله عز وجل وبكلامه المنزل
على محمد [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة],
وفى هذا رد على من يسمون أنفسهم بالعلمانيين أو الليبراليين الذين يدعون
الدين جانبا فى محاوراتِهم, ولا يرتضون بِما جاء فى القرآن شهيدا بينهم
وبين من يتحاورون معهم.
فحينما لجأ الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] إلى الشهادة استشهد
بالقرآن الذى أوحى إليه من لدن رب العزة سبحانه وتعالى ليكون الله هو
الشهيد بينه وبين هؤلاء الكفار المشركين, ليقينه من أنه كتاب الله الذى
نزله عليه بالحق, ولأنه لا يقطع بصدقه [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] إلا ما يوحيه إليه رب العزة منه, فإن آمنوا به فقد اهتدوا, وإن لم يؤمنوا, فالله هو الغنى الحميد.

- قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ
أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ
تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ
فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا
تُشْرِكُونَ (41)

يذكّر
المولى سبحانه وتعالى هؤلاء المشركين بلحظات تتقطع فيها الأسباب ولا ينفع
فيها خليل خليله, حين يأتيهم العذاب أو تأتيهم الساعة, فلا يدعون إلا الله
.. حينذاك يستجيب لهم الحق إن شاء, وحينذاك ينسون ما يشركون. وقوله
تعالى[إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] إشارة إلى أنّهم من الجائز أن يكابروا ولا
يصدُقوا مع أنفسهم, ويجيبوا بأنّهم سوف يدعُون غير الله سبحانه وتعالى,
فتأتى (بل) التى تفيد الاستدراك ونفى ما قبلها لتؤكد لهم أنّهم لن يدعوا
إلا الله جل فى علاه, وأنّهم سوف ينسون ما يشركون, فلِمَ لا يؤمنون من الآن
بالله وبالرسالة التى نزل بِها محمد [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] ,

-
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ
وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ
انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) قُلْ
أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً
هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)

الإجابة
هنا جاءت ضمنا, فى صورة استفهام إنكارى, من إله غير الله أى لايأتيكم به
إلا إله ولا إله إلا الله,{والهاء فى به إما متعلقة بالسمع لأنه ذكر مفردا,
وإما متعلقة بِما أخذ منكم وقيل هى كناية عن الهدى (الطبرى)}, وعندى أن
الهاء تعنى المسلوب منكم, والله أعلم. ثم يأتى ختام الآية تعجبا من هؤلاء
المشركين الذين يعرضون عن الحق مع تتابع الآيات عليهم. وتختتم الآية
التالية باستفهام فيه من الوعيد ما يأخذ بلب السامعين إذا فطنوا إلى ما
يقال, والظلم هنا ليس بالضرورة أن يكون للآخرين, فظلم النفس بالتيه فى
ظلمات الكفر أشد وأقسى.

-
قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ
وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى
إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا
تَتَفَكَّرُونَ (50)

هذه الآية تقطع على الكفار والمشركين ما يحتجون به, وترجح مفهوم الدعوة الذى جاءت به الآية 19, وهو أن حجة الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
هى القرآن, فهو لا يتبع إلا ما يوحى إليه, ولا يدعى أنه يَملك خزائن الله
{مقدوراته : القرطبى}, ولا يدعى أنه يعلم الغيب إذ لا يعلم الغيب إلا الله
سبحانه وتعالى, ولا يدعى أنه ملك فيكون بذلك قد خرج من بشريته, قال تعالى
فى سورة الكهف [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ
أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ .. (110)], ولكن ما يوحى إليه من الله
عز وجل هو سبيل دعوته التى لا سبيل لها سواه, فهل يستوى من يفهم هذه
الحقيقة ويؤمن بِها فينشرح صدره إلى الإسلام أم من هو أعمى عن الحق لا يبصر
منه شيئا , قال تعالى فى سورة الحج [.. فَإِنَّهَا لا تَعْمَى
الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)]

-
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ
قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَا مِنَ
الْمُهْتَدِينَ (56)

هذه الآية أيضا قطعت الطريق على الكفار والمشركين فى أن يتبع محمد [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
أهواءهم ويعبد ما يعبدون من دون الله, إذ نَهاه رب العزة بِما أوحاه إليه
من القرآن أن يفعل ذلك, فيضل بعد اهتداء إلى الطريق المستقيم. فحجته [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] وهى القرآن لا تتغير ولا تتبدل .

-
قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي
مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا للهِ يَقُصُّ الْحَقَّ
وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا
تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ
أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58)

[عَلَى
بَيِّنَةٍ] أى على هدى ووضوح رؤية بالأدلة والبراهين الساطعة, [مَا
تَسْتَعْجِلُونَ ِ بِهِ] هو العذاب (القرطبى) , أى ليس لدى فى إيمانى بالله
عز وجل أى شك, وقد كذبتم أنتم به, ولست أملك العذاب الذى تستعجلون به,
فليكن الأمر كله لله سبحانه وتعالى, فهو الذى يقضى بالحق وهو خير من يفصل
فى هذا الخلاف, ولو أنى أملك لكم العذاب الذى تستعجلون به لانتهى الأمر
والله وحده هو الذى يعلم الظالمين. هاتان الآيتان تضعان نِهاية لأى حوار
يدور بين محمد [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] والمشركين حول مسألة العقيدة التى يدعو إليها .. عقيدة التوحيد .

- قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ
ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ
أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ
يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ
(64)

ومازلنا
مع الأسئلة المعجزة التى ليس لها إلا إجابة واحدة, فالله وحده هو الذى
ينجى من ظلمات البر والبحر ومن كل كرب إن شاء, والحق فى هاتين الآيتين يضرب
مثلا لتعنت المشركين بوصف هذا الموقف الذى يتعرض له الناس فى حياتِهم, فلا
يكابرون, بل يتضرعون إلى خالقهم سبحانه وتعالى, ويسألونه النجاة مما هم
فيه, ويدعونه لئن أنجاهم فسيكونون من الشاكرين, ولكن ومع علمهم بِهذه
الحقيقة وتيقنهم منها, إلا أنّهم يشركون به سبحانه وتعالى ما لم ينزل به
سلطانا. والآيتان وردتا فى هذه السورة لتذكير المشركين بِهذا الموقف لعلهم
يخلصون العبادة لله الواحد دون أن يتعرضوا لهذا الموقف أو لمثله, فالتذكير
بِمثل هذه المواقف إنّما جاء لدعوة الناس إلى دين الحق, وترك عبادة ما لا
ينفع ولا يضر من الأصنام والأوثان. فقد ورد وصف لهذا الموقف أو لمثله ولكن
بشىء من التفصيل فى سورة يونس فى قوله تعالى : [هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ
فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ
بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ
وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ
بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا
مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ
(22)
فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ
الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ
مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ
فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
(23)]
, فهذا وصف لما يحدث فى مثل هذا الموقف , ثم رد الله سبحانه وتعالى بغى
أولئك الذين أنجاهم فبغوا فى الأرض بغير الحق على أنفسهم , وأنّهم إنّما
ينالون متاع الحياة الدنيا , ولكنهم سيرجعون إليه عز وجل قيخبرهم بِما
كانوا يعملون

-
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ
(66) لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67)

الهاء
فى به متعلقة بالعذاب فى الآية السابقة (الطبرى), هذه الآية تتضمن معنى
الوعيد لهؤلاء الكفار والمشركين الذين يكذبون بالعذاب الذى يتوعدهم به
الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
وهو الحق, فقوله تعالى (قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) أى لست موكلا
بأن تؤمنوا وإنّما علىّ البلاغ فقط, فإن آمنتم فقد نجوتُم, وإن لم تؤمنوا
فسوف تعلمون حقيقة ما أخبركم به , فـ (لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ) أى لكل
خبر نِهاية ينتهى إليها (الطبرى). ولا شك أن هذا هو حديث الواثق من صدق
حديثه, وفى هذه الثقة المنبعثة من كل كلمة تَهديد لهؤلاء الكفار والمشركين,
ووعيد بِما ينتظرهم من عذاب, جزاء تكذيبهم وعنادهم .

- وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ
مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً
لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً
وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ
ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) وَهَذَاكِتَابٌ
أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ
أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92)

[وَمَا
قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ], أى ما عظموه كما ينبغى لجلال وجهه, وحق
هنا نائب عن المفعول المطلق, يبين أن قدره سبحانه وتعالى متناهٍ فى عظمته,
[إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ] هذا الزعم
على سبيل الجدل الذى لا يفضى إلى شىء, لأنّهم إذا سئلوا - كما أخبر الحق جل
وعلا فى الآية نفسها- عمن أنزل على موسى عليه السلام كتابا كان نورا وهدى
للناس فلن يَملكوا إلا أن يصمتوا إزاء هذا السؤال, فقل لهم يا محمد إنه هو
الله الذى أنزله, وبذلك يكون هذا الزعم غير ذى معنى , لذا أمر الله نبيه [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
أن يتركهم يلعبون فيما يخوضون فيه. وقد ورد هذا التعبير [وَمَا قَدَرُوا
اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ] فى موضعين آخرين من القرآن غير هذا الموضع , فقد
ورد فى سورة الحج فى قوله تعالى [مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
(74)],
تلاه تأكيد على أن الله سبحانه وتعالى قوى متفرد بطلاقة القدرة, عزيز لا
سلطان لأحد كسلطانه, كما ورد فى سورة الزمر فى قوله تعالى [وَمَا قَدَرُوا
اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)] وتلاه وصف لمشهد يبين قدرة الله
وإحاطته سبحانه بجميع خلقه, {فالأرض تصير فى قبضته, والسماوات تطوى بيمينه,
إذا كان المقصود هنا ظاهر اللفظ فقد ورد حديث عن أبي هريرة قال : قال رسول
الله [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]:
(يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين
ملوك الأرض) وقد يكون معنى القبض والطي إفناء الشيء وإذهابه فقوله جل وعز:
"والأرض جميعا قبضته" يحتمل أن يكون المراد به والأرض جميعا ذاهبة فانية
يوم القيامة، والمراد بالأرض الأرضون السبع؛ يشهد لذلك شاهدان: قوله:
"والأرض جميعا" ولأن الموضع موضع تفخيم وهو مقتضٍ للمبالغة. وقوله:
"والسماوات مطويات بيمينه" ليس يريد به طيا بعلاج وانتصاب،وإنّما المراد
بذلك الفناء والذهاب؛ يقال: قد انطوى عنا ما كنا فيه وجاءنا غيره. وانطوى
عنا دهر بِمعنى المضى والذهاب. واليمين في كلام العرب قد تكون بِمعنى
القدرة والملك؛ ومنه قوله تعالى: "أو ما ملكت أيْمانكم" [النساء:3] يريد به
الملك؛ وقال: "لأخذنا منه باليمين" [الحاقة: 45] أي بالقوة والقدرة أي
لأخذنا قوته وقدرته .القرطبى} , [ وَهَذَاكِتَابٌ] أى القرآن, [أُمَّ
الْقُرَى] مكة والمقصود أهلها ,[وَمَنْ حَوْلَهَا] ثبت جغرافيا أن مكة
تتوسط الكرة الأرضية تَماما فما عن شرقها مساوٍ لما عن غربِها وما عن
شمالها مساوٍ لما عن جنوبِها, وهكذا تكون دعوة الإسلام عامة كما جاء فى
حديث النبى [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
(وأرسلت للناس كافة), [وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ
بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ] الواو هنا واو ابتداء لورود
الخبر (يؤمنون), فما بعدها جملة تقريرية معناها أن الذين يؤمنون بالآخرة
يؤمنون بالقرآن على أنه كتاب منزل من عند الله, ويؤمنون بِما جاء به من
أحكام وعبادات, ويحافظون على صلاتِهم أى يقيمون شعائر الله عز وجل من منطلق
هذا الإيمان .

[color=#000000][size=25]-
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://kholif.forumegypt.net
محمد خليف
مؤسس المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 194


مُساهمةموضوع: رد: تأملات فى سورة الأنعام   الثلاثاء 16 أغسطس 2011, 1:29 am

- أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي
حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً
وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ
رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ
كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ
يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ
هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ
عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117)

[أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً] ابتداء
الآية بِهذا الاستفهام الإنكارى يدل على عظم الأمر المنكر, وهو الحكم بغير
ما أنزل الله, وهذا أمر متصل بالعقيدة اتصالا مباشرا, فالحكم بِما أنزل
الله هو أهم ركائز العقيدة, ذلك لأن الله [
أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً],
أى فيه تفصيل كل شىء فى هذه الحياة, وفيه الحكم لكل شىء لأن الله خالق كل
شىء, وهو وحده القادر على وضع الأحكام التى تضبط حركة الكون,
[وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ]أمر متصل بالعقيدة اتصالا مباشرا وو, أى القرآن, فهو معلوم لدى أولئك الذين أوتوا الكتاب من قبل من اليهود والنصارى, ويعلمون أنه منزل من عند الله, [فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ] أى فلا يجعلك تكذيبهم ودعوتُهم لك بأن تتخذ من دون الله حكما أن تشك فيما ينزل إليك من أنباء وأحكام , ثم يأتى قوله تعالى [وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ]
ليبين أن القرآن قد تَمت فيه الأحكام بالصدق والعدل, ولا مجال لتبديل ما
جاء به من أحكام, أو لا يستطيع أحد أيا كان أن يبدل كلماته لأن الله هو
الذى تكفل بحفظه أبد الدهر
قال تعالى فى سورة الحجر [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)],
فهو باق ما بقيت الحياة لا تغيير فيه ولا تبديل, ففيه تَمت كلمات الله عز
وجل, والتمام هنا فى كل شىء يخص الأحكام المنزلة, فى كونِها تشمل كل صغيرة
وكبيرة فى الحياة, وفى كونِها عادلة عدلا مطلقا, وفى كونِها تناسب كل
المجتمعات فى كل الأحوال والأزمان. ومع هذا نجد أن الله عز وجل العليم
بخلقه يطلعنا على أن أكثر من فى الأرض لن يحكموا بِما أنزل الله, [
وَإِنْ
تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ],
وأن فى طاعة هؤلاء الضلال المبين, لماذا؟ لأنّهم [إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا
الظَّنَّ] والظن لا يستند إلى شىء فهو كالهوى يذهب بالإنسان هنا وهناك,
ولا يهديه أبدا سواء السبيل [ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ
] يخرصون أى يقطعون بِما لا يقين فيه,

- قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى
مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ
عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135)

هذه
الآية فيها تَهديد ووعيد لهؤلاء الكفار والمشركين بعدما دُعوا بكل السبل
إلى عبادة الله الواحد, وأعرضوا وكذبوا بآيات الله, فليفعلوا ما يشاؤون,
فسوف ينالون جزاء هذا الإعراض والتكذيب. والتقرير فى ختام الآية إنه لا
يفلح الظالمون نوع من الوعيد أيضا, والظلم هنا هو عدم اتباع سبل الحق, وهو
ظلم للنفس كما أوضحنا آنفا .

قُلْ
إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً
مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ
إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
(162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ
الْمُسْلِمِينَ (163)

جاء فى تفسير القرطبى :
{"دينا"
نصب على الحال؛ عن قطرب. وقيل: نصب بـ "هداني" عن الأخفش. قال غيره: انتصب
حملا على المعنى؛ لأن معنى هداني عرفني دينا. ويجوز أن يكون بدلا من
الصراط، أي هداني صراطا مستقيما دينا. وقيل: منصوب بإضمار فعل؛ فكأنه قال:
اتبعوا دينا، واعرفوا دينا,} وعندى أنه منصوب على المفعولية بإضمار حال
والتقدير : متبعا دينا

هذا ما أمر الحق سبحانه وتعالى نبيه [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
أن يعلنه للناس كافة, بعدما تبرأ من أولئك الذين فرّقوا دينه, وهذا هو ما
يخلص إليه الدين الإسلامى الحنيف وعقيدة التوحيد السمحة, فصلاة المرء وحياه
ومماته لله الواحد الأحد رب العالمين,

قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً
وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا
وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ
فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) وَهُوَ الَّذِي
جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ
دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ
الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)

جاء فى تفسير الطبرى :
{روي أن الكفار قالوا للنبي [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]:
ارجع يا محمد إلى ديننا، واعبد آلهتنا، واترك ما أنت عليه، ونحن نتكفل لك
بكل تباعة تتوقعها في دنياك وآخرتك؛ فنزلت الآية. وهي استفهام يقتضي
التقرير والتوبيخ. و"غير" نصب بـ "أبغي" و"ربا" تَمييز.}

هذا
الرد الحاسم على هؤلاء الكفار, يؤكد على ما جاءت به عقيدة التوحيد, فالله
هو رب كل شىء سبحانه وتعالى عما يشركون, ولا تأثم نفس بإثم أخرى, وقد خلق
الله البشر أقواما بعضها يخلف بعضا, ورفع بعضهم فوق بعض درجات فى كل مجالات
الحياة, ليختبرهم ويحاسبهم على ما آتاهم, وليكون أمرهم إلى الله وحده, فهو
سريع العقاب وهو أيضا غفور رحيم, سبحانه وتعالى عما يشركون,,,

ونظل
مع الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه, والأدب الربانى الذى تحلى به ,
ونقف هنيهة مع سورة الأنعام وهذه الآيات التى ائتنس بِها [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة], وهو يدعو الناس لعبادة الله الواحد.

-
وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ
لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
(51)

أنذر
به أى بالقرآن, لأن الهاء متعلقة بِما قبلها فى الآية السابقة وقد كُنى عن
القرآن بقوله تعالى [مَا يُوحَى], ويخافون أن يحشروا أى يخافون عذاب الحشر
أقرب من أن تكون بِمعنى يعلمون كما جاء فى بعض كتب التفسير والله أعلم,
وليس لهم من دون الله من ولى ولا شفيع, أى المؤمنون, فالإيمان ليس نِهاية
المطاف, إذ أن المؤمن فى حاجة أيضا إلى الإنذار, والتذكير قال تعالى فى
سورة الذاريات [وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
(55)], والتقوى درجة أعلى من الإيمان لا يصل إليها المرء إلا بعد أن يترسخ
الإيمان فى قلبه, ويعيش وهو فى خشية دائمة من الله ومن عذابه يوم لا ينفع
مال ولا بنون, وهذه هى التقوى. وقد ذهب المفسرون فى تفسير هذه الآية مذاهب
كثيرة, فقيل : الآية فى المشركين, وقيل المراد كل من أقر بالبعث ومنهم أهل
الكتاب, وقيل المراد المؤمنون, وأنا مع هذا القول الأخير وهو قول الحسن,
إلا أنّهم جماعة من المؤمنين وصفهم المولى عز وجل بأنّهم يخافون عذاب
الحشر,

وَلا
تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَاعَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ
حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ
الظَّالِمِينَ (52)

روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: كنا مع النبي [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] ستة نفر، فقال المشركون للنبي [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]: اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا؛ قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله عز وجل "ولا تطرد الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشي يريدون وجهه". وقد ورد مثل هذا النص القرآنى مع اختلاف هين فى سورة الكهف (الآية 28) قال تعالى [وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ], ذلك لأن الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
كان يطمع فى أن يسلم علية القوم وأتباعهم, فوقع فى نفسه ما شاء الله أن
يقع, وحدث نفسه بِما شاء الله أن يحدث فنزلت الآية, ولست أدرى بالتحديد إن
كان الموقف واحدا فى كل من سورة الأنعام وسورة الكهف, أم أن آية الأنعام
نزلت فى موقف, ونزلت سورة الكهف فى موقف آخر, وإن تشابه الموقفان وهذا هو
الأقرب للصواب, فالآيتان وإن تشابَهتا نصا إلا أن ثِمة اختلافا بينهما, ففى
الأنعام التى نزلت أولا نَهىٌ عن طرد (ولا تطرد), وفى الكهف التى نزلت
بعدها أمرٌ بالصبر (واصبر نفسك ..), ولو فكرنا بِهذه الطريقة لوجدنا أن أمر
الدعوة هو الذى كان يهم الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
فى المقام الأول, وحرصه أن يؤمن علية القوم لما فى ذلك - فيما يراه - من
فائدة عظيمة للدعوة ربّما دعاه لأن يفكر فى طرد هؤلاء الفقراء من مجلسه,
فنزلت آية الأنعام, ودعاه لأن يتركهم وينصرف عنهم إلى غيرهم من علية القوم
فنزلت آية الكهف. وعلى أية حال هذا نوع من الأدب الربانى الرفيع للنبى
صلوات الله وسلامه عليه الذى قال (أدبنى ربى فأحسن تأديبى). وفى أسباب
النزول حديث لخباب يربط بين الآيتين هذا نصه :
[وأَخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما عن خباب قال: جاءَ الأَقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، فوجدا رسول الله [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] مع صهيب، وبلال، وعمار، وخباب قاعداً في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأَوهم حول النَّبي [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
حَقَروهم، فأَتوه فخلوا به فقالوا: إنَّا نريد أَنْ تجعل لنا منك مجلساً
تعرف لنا به العرب فضلنا، فإنَّ وفود العرب تأْتيك فنستحي أَنْ ترانا العرب
مع هؤلاء الأَعبد, فإِذا نحن جئناك فأَقمهم عنَّا، فإذا نحن فرغنا فاقعد
معهم إن شئت، قال: نعم، فنزلت: [وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ
رَبَّهُمْ] الآية، ثمَّ ذكر الأَقرع وصاحبه، فقال: [وَكَذَلِكَ فَتَنَّا
بَعَضَهُمْ بِبَعْضٍ] الآية. وكان رسول الله [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] يجلس معنا فإِذا أَراد أَن يقوم قام وتركنا، فنزل: [وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ..] الآية.
[مَاعَلَيْكَ
مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ....]؛ الحساب هنا الجزاء والرزق, أى ما
عليك شىء من جزائهم ورزقهم. وكذلك ما عليهم من جزائك ورزقك من شىء, إذًا
ليس هناك من سبب لأن تطردهم, والفعل فى غير محله هو الظلم الذى لا يرضى
الله عنه, هكذا جاء فى كتب التفسير.

وَإِذَا
جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ
مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ
فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
(54) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55)

هنا يبين الحق سبحانه وتعالى أن من رحمته بعباده الذين آمنوا وصدقوا الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
فيما أنزل إليه من ربه, أن من يعمل سوءا منهم بجهالة ثم يتبع ذلك بالتوبة
والعمل الصالح, فإن الله يتوب عليه لأنه هو الغفور الرحيم, وقوله تعالى
[فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ] يدل على أن حسن استقبال المؤمنين من الأمور
الواجبة على كل من كان يؤمن بالله واليوم الآخر. وهكذا يكون الأدب الربانى
الذى أدب به المولى عز وجل نبيه [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
وكل المؤمنين والمؤمنات من بعده إلى يوم الدين. ثم يشير الحق بعد ذلك إلى
أن تفصيل الحديث عن المؤمنين والمشركين فى الآيات السابقة إنّما ورد ليظهر
للناس أجمعين الطريق التى يسلكها المجرمون, فيتجنبها المؤمنون.

-
وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ
حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ
الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ (68) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ
مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69)

[يَخُوضُونَ]أصل
الخوض المشى فى الماء, ويخوض فى الآيات يتحدث عنها بالباطل, [فَأَعْرِضْ]
هذا من الأدب الربانى, ومن أدب الدعوة إلى الله والإيمان بوحدانيته عز وجل,
إذ ينهى الحق جل وعلا نبيه صلوات الله وسلامه عليه وكذلك المؤمنين أن
يجالسوا هؤلاء الذين يخوضون فى آياته, فإذا جلسوا ناسين, وما ينسيهم إلا
الشيطان, فليقوموا من مجلسهم حين يتذكروا, فليس على أحد من المؤمنين من
حساب هؤلاء الخائضين فى آيات الله شىء, فحسابِهم وحساب الناس جميعا على
الله عز وجل, ولكنهم إنّما يفعلون ذلك لعل هؤلاء الذين يخوضون فى آيات الله
بغير الحق يتقون الله ويرجعون عما يفعلون.

-
وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا
اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ
عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا
كَانُوا يَعْمَلُونَ (108)

الذين
أنعم الله عليهم وهداهم إلى عقيدة التوحيد, فعبدوا الله ولم يشركوا به
شيئا, يعجبون أشد العجب ممن يتخذون من دون الله آلهة, وهؤلاء الذين يعبدون
الأصنام لا يثيرون العجب فحسب بل يثيرون السخرية والاستهزاء, مما كان يدفع
المسلمين إلى سب الآلهة التى كان يعبدها المشركون من قريش وهى لا تزيد عن
كونِها أصناما وأوثانا لا تعقل ولا تَملك من أمر نفسها شيئا, هنا يأتى
التوجيه الربانى للمسلمين بألا يسبوا آلهة المشركين, ليس ذلك لأن الآلهة لا
تستحق أن تسب, ولكن لكى لا يرد المشركون عليهم بأن يسبوا الله, وهو المنزه
سبحانه وتعالى عما يُمكن أن يصدر عن هؤلاء الكفار. وقد جاء هذا التوجيه
الربانى مشفوعا بتفسير ما يراه المسلمون عجيبا, فقد زين الحق سبحانه وتعالى
لكل أمة عملهم, فهؤلاء يعبدون الأصنام والأوثان, وغيرهم يعبدون الشمس,
وهناك من يعبدون النار, ومن يعبدون البقر, وكل هؤلاء وأولئك قد زين لهم
الله عملهم, فهم مقتنعون أشد الاقتناع بِما يعملون, ولكنهم لن يتركوا هكذا,
فسوف يرجعون إلى ربّهم, فيبين لهم سفاهتهم وسفاهة ما كانوا يعملون. ونحن
الآن نجد أصنافا من البشر زين الله لهم أعمالهم ليس فى مجال العبادة فحسب,
ولكن فى مجالات الحياة المختلفة, فمن الناس من يستمرئ النفاق مثلا, ويتخذه
حرفة ككثير من الإعلاميين, الذين يأخذون على عاتقهم الانتصار للحاكم,
وتنزيه قراراته والارتفاع بِها فوق مستوى الشبهات, بل الوصول بِها إلى
مرتبة الإلهام, حتى إذا تراجع عنها تراجعوا هم أيضا, ولديهم المبررات
الكافية سواء لترجيحها أو للتراجع عنها, ولا يستحيون من هذا العمل الشائن,
لأن الله سبحانه وتعالى زينه لهم, وحين يعودون إليه فسوف ينبئهم بِما كانوا
يعملون. وكذلك من يستمرئون الكذب والتزوير والغش والتدليس, وكل ما فيه
تجاوز عما أمر به الله عز وجل, أولئك زين لهم الله أعمالهم, فأقبلوا عليها
منشرحى الصدر, لا يستحيون من الله فهل يستحيون من الناس.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://kholif.forumegypt.net
محمد خليف
مؤسس المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 194


مُساهمةموضوع: رد: تأملات فى سورة الأنعام   الثلاثاء 16 أغسطس 2011, 1:31 am

المتأمل
فى سورة الأنعام يجد أنّها تنصرف إلى عقيدة التوحيد انصرافا, وتدور
آياتِها حول عدة محاور تُمثل أركان الدعوة إلى عبادة الله الواحد دعوة لا
إله إلا الله, فهى لب العقيدة والأساس الذى تقوم عليه. لذا نجد أن المحور
الأساس الذى تدور حوله المعانى التى وردت فى السورة هو دلائل قدرة الله
المطلقة فى هذا الكون, وقد تحدثنا عن الآيات التى تحمل هذا المعنى فى موضع
آخر من هذه التأملات وقلنا إن هذه الآيات تثبت بِما لا يدع مجالا لشك
وحدانية الله عز وجل, وهيمنته المطلقة على الكون بِما فيه ومن فيه, لتصبح
قضية الشرك به سبحانه وتعالى غير ذات معنى, ومع هذا نجد أن الكفار
والمشركين من أهل مكة ومن حولها قد قابلوا دعوة لا إله إلا الله بالتكذيب
والجحود والإنكار والاستهجان, مِما حملهم على إبداء العداوة والبغضاء لحامل
هذه الدعوة إليهم من قبل المولى عز وجل محمد [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
ومن تبعوه ممن شرح الله قلوبَهم للإيمان, وكانت لهؤلاء الكفار والمشركين
مواقف متعنتة مع الدعوة, تظهر مدى كفرهم وعنادهم. وقد وقفنا فى موضع آخر
عند الآيات التى كان يسرى بِها المولى عز وجل عن النبى [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
ويهون عليه ما يلاقى من عنت وأذى وهو يدعو الكفار والمشركين من أهل مكة
إلى عبادة الله الواحد. وهذه وقفة مع الآيات التى بينت مواقف الكفار من
الدعوة, ما ظهر منها فى صورة أقوال وأفعال ومزاعم تَمس جوهر العقيدة,
ويرددها من فى قلوبِهم مرض, فى كل زمان ومكان,


- وَلَوْ
نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ
لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7)
وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً
لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (Cool وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً
لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9)

علم
الله بخلقه لا حدود له, يعلم مابين أيدهم وما خلفهم, يعلم سرهم وجهرهم,
يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور , بل هو أعلم بِهم من أنفسهم, هذه حقيقة
لابد من الإيمان بِها كجزء من الإيمان بعقيدة التوحيد, ومسألة الهدى
والضلال مسألة محسومة من الأزل, فالله سبحانه وتعالى يهدى من يشاء ويضل من
يشاء, وذلك لحكمة بالغة لا يعلمها إلا هو, هذه حقيقة أيضا يجب الإيمان
المطلق بِها كجزء لا ينفصل عن العقيدة بحال من الأحوال. وحينما يخبرنا الحق
تبارك وتعالى عما سوف يحدث, أو عما يُمكن أن يحدث, فيجب أن نكون على يقين
من أن ما يخبرنا به المولى عز وجل سوف يحدث, أو يُمكن أن يحدث, ولا تكتمل
العقيدة إلا بِهذا اليقين. والكفار وهم خلق الله عز وجل, كانوا يتعللون
بعلل واهية, ويطلبون أشياء يقولون أنّها لو حدثت لآمنوا بِما أنزل على محمد
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة],
والله يعلم أنّهم لن يؤمنوا إلا أن يشاء هو سبحانه. وهؤلاء الذين تتحدث
عنهم الآيات سبق فى علمه عز وجل أنّهم لن يؤمنوا حتى لو نزّل الله سبحانه
وتعالى كتابا فعاينوه ولمسوه بأيديهم وقرأوه, بل سوف يقولون إنه سحرٌ سحرَ
به محمد [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
أعينهم, وهذه الآية تضع حدا للجهد الكبير الذى كان يبذله الرسول صلى الله
عليه وسلم ليخرج هؤلاء الكفار من ظلام الكفر إلى نور الإيمان, وقد أشار
الحق سبحانه وتعالى إلى هذا الجهد فى سورة الكهف فى قوله تعالى{فَلَعَلَّكَ
بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا
الْحَدِيثِ أَسَفاً (6)} أى مهلك نفسك أسفا عليهم, وفى قوله تعالى
[لَقُضِيَ الْأَمْرُ] قولان, أحدهما لماتوا لأنّهم لن يتحملوا رؤية الملك,
والثانى لقامت الساعة, [ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ] أى لا يُمهلون حتى يؤمنوا
به, وقوله تعالى [وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ] أى لالتبس
عليهم أمره وظنوه رجلا وليس ملكا. هذا يعنى أن المسألة لا تزيد عن كونِها
حجة واهية يتعلل بِها هؤلاء الكفار لكى يظلوا على كفرهم وعنادهم.
-
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ
أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ
آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ
الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25)

هذا
الزعم تكرر وروده فى القرآن الكريم أكثر من مرة, وقد تحدثنا عن هذه الآية
فى موضع آخر بشىء من التفصيل بعنوان تعبيرات قرآنية (أساطير الأولين) *

- وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29)
هذا
الزعم هو ذروة الكفر والإلحاد, فمن ينكر البعث, ينكر كل ما يتصل بالعقيدة,
لذا حينما أراد المولى عز وجل أن يدحض هذا الزعم أطلعنا على موقف هؤلاء يوم
البعث, مخبرا عنه بصيغة الماضى مع أنه حدث مستقبلى, لأنه سيقع يقينا لا شك
فى ذلك ولا مراء, يقول الحق تبارك وتعالى [وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا
عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا
قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) قَدْ خَسِرَ
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ
السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا
وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا
يَزِرُونَ (31)] وسوف نلتقى مع هاتين الآيتين لاحقا إن شاء الله.

- وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ
آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (37)

هذا
الزعم ليس إلا حجة يبرر بِها الكفار كفرهم وتكذيبهم, وقد رد المولى سبحانه
وتعالى بأنه قادر على أن ينزل معجزة كالتى أرسل بِها النبيون من قبل, ولكنه
أرادها للنبى الخاتم معجزة باقية أبد الدهر, فكانت معجزة محمد [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
هى القرآن, يقول الحق تبارك وتعالى [وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ
وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا
فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
(38)], وفى هذه الآية إشارة إلى أن القرآن الكريم هو المعجزة التى أنزلت
على محمد [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة], وهى معجزة لو تفكر فيها هؤلاء الكفار لآمنوا بِها وآمنوا بكل ما جاء به محمد [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة],
وفى قوله جل وعلا [وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ], حكمة بالغة
ذلك لأن من بين الكفار والمشركين من كانوا على علم تام بحقيقة أن القرآن
منزل من عند الله عز وجل, وأنه ليس من كلام البشر, ولكن حال عنادهم دون
الإيمان به, لذا قال الحق أكثرهم ولم يقل كلهم, والحقيقة أن الكون يعج
بآيات الله التى لو تفكر فيها المرء لعرف أن وراء هذا الكون قوة قادرة على
كل شىء, ولآمن بِهذه القوة الخالقة المدبرة لأمر هذا الكون. وقد أشار الحق
سبحانه وتعالى إلى ذلك فى أكثر من موضع من القرآن الكريم, ومن هذه السورة
على وجه الخصوص, بل إن هذه السورة استهلت بذكر آيات الله التى كان أولى
بالكفار والمشركين أن يتنبهوا إليها ويؤمنوا بِها, يقول الحق تبارك وتعالى[
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ
الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
(1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ
مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) وَهُوَاللهُ فِي
السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ
مَا تَكْسِبُونَ (3) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ
إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4)] أى أن إعراض الكفار كان ملازما
لهم كلما أتتهم آية من أيات الله, وقد بين المولى عز وجل أنّهم لن يؤمنوا
حتى إذا جاءتْهم آية, وقد أشار الحق سبحانه وتعالى فى سورة الإسراء إلى أنه
لم يرسل معجزة كالتى أرادها المشركون لأنّ الأولين كذبوا بالمعجزات التى
أرسلت من قبل,
قال تعالى : {وَمَا
مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا
الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا
وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً
(59)}

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://kholif.forumegypt.net
محمد خليف
مؤسس المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 194


مُساهمةموضوع: رد: تأملات فى سورة الأنعام   الثلاثاء 16 أغسطس 2011, 1:32 am

- فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا
تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ
مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43)

[بَأْسُنَا] ابتلاؤنا بالمصائب وكدر العيش, [تَضَرَّعُوا]
ذلو وخضعوا واتجهوا إلى الله بالدعاء والابتهال, والمعنى المضمر أنّهم لو
اعتبروا مما ينزل بِهم من مصائب, وعرفوا أن الله سبحانه وحده القادر على أن
يرفع عنهم ما حل بِهم من بأس, فاتجهوا إليه بالدعاء والابتهال, لكان خيرا
لهم أو لرفعنا ما حل بِهم من بأس, ذلك أن لولا شرطية, وقد أضمر جواب الشرط
لأنه مستنبط من الآية,
[قَسَتْ قُلُوبُهُمْ] قسوة القلب سمة من سمات الكفار والمشركين, قال تعالى فى سورة البقرة {ثُمَّ
قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ
أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ
الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ
وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ
بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)

}, وإذا كان بنو إسرائيل هم المقصودين فى الآية, فإن المعنى ينسحب على كل
من لا يخشى الله سبحانه وتعالى, ولا يتقى يوما تشخص فيه الأبصار, والكفار
والمشركون لا يؤمنون بوحدانية الله, ولا يؤمنون بأى متعلق من متعلقات عقيدة
التوحيد, فهم فى مصاف أولئك الذين قست قلوبُهم, بل هم فى مقدمتهم. قسوة
القلب هذه تجعلهم لا يتضرعون إلى الله إذا أصابتهم مصيبة, أو إذا حل بِهم
البأس على أى نحو من الأنحاء كاحتباس المطر وغيره, من ناحية أخرى القلوب
القاسية مرتع خصب للشيطان, يفعل بِها ما يشاء, فهم يقدمون على أفعال لا
يقبلها عقل ولا منطق, ولكن زينها لهم الشيطان وجعلها فى مقدمة اهتماماتِهم.
فما بال قوم ينحنون خشعا أمام تِمثال هم ينحتونه من الحجر لا يسمع ولا يرى
ولا ينفع ولا يضر, ولا يَملك من أمر نفسه شيئا إلا أن يكون الشيطان قد زين
لهم ما يفعلون. وقس على ذلك كثيرا من الأفعال التى يأتى بِها الكفار, بل
التى يأتى بِها بعض المؤمنين فى هذا العصر ولا حول ولا قوة إلا بالله,
والأمثلة على هذه الأفعال أكثر من أن نحيط بِها فى هذه العجالة .

- وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ
بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا
أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53)

وقد رد
الله عز وجل على هذا الزعم فى الآية نفسها بأنه سبحانه وتعالى أعلم
بالشاكرين, ولا علم لهؤلاء الكفار بشىء , وسيأتى بيان ذلك لاحقا إن شاء
الله.

-
وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ
عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ
بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ
تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا
أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ
يَلْعَبُونَ (91)

هذا
الزعم أيضا على سبيل الجدل الذى لا يفضى إلى شىء, لأنّهم إذا سئلوا - كما
أخبر الحق جل وعلا فى الآية نفسها- عمن أنزل على موسى عليه السلام كتابا
كان نورا وهدى للناس فلن يَملكوا إلا أن يصمتوا إزاء هذا السؤال, هنا
يخبرهم محمد [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] بأمر ربه إنه هو الله الذى أنزله, ثم يتركهم يلعبون فيما يخوضون فيه, وقد تحدثنا عن هذه الآية آنفا بشىء من التفصيل.

- وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ
وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100)

هنا
بلغ الشرك بالكفار مبلغا عظيما, فقد ادعوا أن الجن هم شركاء لله سبحانه
وتعالى عما يقولون, كما ادعوا أن لله بنين وبنات كما قالت النصارى المسيح
ابن الله وقالت اليهود العزير ابن الله وقال المشركون الملائكة بنات الله
سبحانه وتعالى علوا كبيرا, وفى التفسير كثير من أقوال هؤلاء الكفار مما
يُمكن الرجوع إليه, ولو نظرنا إلى الآيات التى سبقت هذه الآية لوجدنا خمس
آيات تبين قدرة الله عز وجل المطلقة, وبديع صنعه فى كونه, فهو فالق الحب
والنوى ومخرج الحى من الميت والميت من الحى, وفالق الإصباح وجاعل الليل
سكنا, والشمس والقمر حسبانا, وهو الذى جعل النجوم على هذا الوضع الدقيق
المتناهى فى دقته لنهتدى بِها فى ظلمات البر والبحر, وخلقنا من نفس واحدة,
وأنزل المطر الذى أحيا به الأرض بعد موتِها, فأخرجت من الزروع والثمار ما
لا يحصى من نعم الله عز وجل, ثم يأتى الكفار بعد هذا كله يشركون به سبحانه
ما لم ينزل به سلطانا, بل يبلغ بِهم شركهم هذا المبلغ الذى عرضته لنا الآية
الكريمة, فكأن استهلالها بالواو يعنى ارتباطها بِما سبقهما من آيات على
سبيل التعجب, والتقدير (ومع كل هذا جعلوا لله شركاء ..) , وسورة الأنعام
استهلت بعرض دلائل قدرة الله عز وجل والتعجب من أن الذين كفروا يعدلون به
ما لا يضر ولا ينفع ولا يَملك من أمر نفسه شيئا, وكذلك الآية الثانية, يعجب
الحق سبحانه وتعالى ممن يَمترون فى قدرته, وفى هيمنته على خلقه بل على
الكون كله. جاء فى التفسير جعلوا لله شركاء الجن أى أطاعوهم كطاعة الله عز
وجل, وخلقهم أى وهو الذى خلقهم, وخرقوا أى اختلقوا, وكان المشركون يدعون
أن لله بنات هم الملائكة تعالى الله عما يقولون. وقد رد الله سبحانه وتعالى
على هذا الزعم فى الآية التالية على هذه الآية [بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) ] وقد ورد هذا
الزعم فى مواضع أخرى من القرآن الكريم, ودحضه المولى عز وجل بالاستنكار,
وبسوق البراهين الساطعة على وحدانيته سبحانه وتعالى.

-
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ
لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا
يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ
أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ
مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) وَلَوْ أَنَّنَا
نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى
وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا
إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111)

هذا
تأكيد على أن مشيئة الله هى أساس الإيمان وليس المعجزات التى يطلبها الكفار
والمشركون, فهو قادر - إذا رأوا هذه الآيات وآمنوا بِها - على أن يقلب
أفئدتَهم وأبصارهم فيعودوا إلى حال الكفر والعناد التى كانوا عليها قبل أن
يؤمنوا بِها, وقادر على أن يتركهم فى غيهم وضلالهم وطغيانِهم, فلو أن الحق
سبحانه وتعالى أرسل إليهم الملائكة وجعل الموتى يكلمونَهم وحشر عليهم كل
شىء من قبيل هذه المعجزات التى يطلبونَها ما كانوا ليؤمنوا إلا إذا سبقت
إيمانَهم مشيئتُه عز وجل. وهذا رد على هؤلاء المشركين الذين أقسموا بأغلظ
الأيمان أنّهم إذا جاءتّهم آية فإنّهم سوف يؤمنون بِها. فالمعجزات من عند
الله, وإيمانُهم وعدم إيمانِهم بيد الله, وقوله تعالى [وَلَكِنَّ
أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ] دليل على أن من بين هؤلاء الكفار والمشركين من
كانوا يعلمون هذه الحقيقة, ولكنهم كانوا يكابرون بغير الحق, ويتعنتون فى
قبول دعوة لا إله إلا الله, ليظلوا على كفرهم وعنادهم ولا حول ولا قوة إلا
بالله.

- وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا
لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ
أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا
صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124)

حجج
الكفار والمشركين كثيرة, يبررون بِها كفرهم وعنادهم, كى يظلوا على الحال
التى هم عليها, والتى لا يتصورون أنفسهم على حال غيرها, منها أنّهم طلبوا
أن ينزل الله ملكا, ومنها أنّهم أرادوا أن يروا آية تجعلهم يصدقون الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] فيما جاءهم به, وهذه الآية تحدثنا عن حجة أخرى, {إنّهم يريدون آية كتلك التى تؤتى لرسل الله عليهم السلام , فقالوا [
لن
نؤمن حتى نكون أنبياء، فنؤتى مثل ما أوتي موسى وعيسى من الآيات؛ ونظيره
"بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة" [المدثر: 52]. والكناية في
"جاءتْهم" ترجع إلى الأكابر الذين جرى ذكرهم. قال الوليد بن المغيرة: لو
كانت النبوة حقا لكنت أولى بِها منك؛ لأني أكبر منك سنا، وأكثر منك مالا.
وقال أبو جهل: والله لا نرضى به ولا نتبعه أبدا، إلا أن يأتينا وحي كما
يأتيه؛ فنزلت الآية. وقيل: لم يطلبوا النبوة ولكن قالوا لا نصدقك حتى
يأتينا جبريل والملائكة يخبروننا بصدقك. والأول أصح؛ لأن الله تعالى قال:
"الله أعلم حيث يجعل رسالته" [الأنعام: 124] أي بِمن هو مأمون عليها وموضع
لها.
} (القرطبى)
, والحقيقة أن مثل هذه الحجج ضرورة للتوازن النفسى الذى يختل حتما عند
أولئك الذين يؤثرون الحيد عن الطريق المستقيم, وهم يعلمون جيدا أنّهم غير
مصيبين فى معتقداتِهم وفى أفعالهم وفى أقوالهم, فكل من يأتى بفعل مستهجن
لديه من المبررات ما يجعله يستمرئ ما يأتى به, ولا يقبل على المحرمات إلا
من كان عنده من الحجج والذرائع ما يجعله يقبل على ما يقبل عليه وهو مطمئن
غاية الاطمئنان إلى ما يفعل, والذى ينشد التوازن النفسى فى فعل محرم أو فعل
مستهجن بحجة واهية, يعانى فى الأصل من خلل فى معايير الخطأ والصواب التى
نشأ عليها, أما الذى ينشد التوازن النفسى فى معتقد خاطئ, فهذا الذى طمس
الله على قلبه, وجعل صدره ضيقا حرجا كأنّما يصعد فى السماء. فهذا هو الذى
لا يريد له الحق سبحانه وتعالى الهدى , وسيصيبه صغار يوم القيامة
وعذاب شديد[والصغار: الضيم والذل والهوان، وكذلك الصغر (بالضم). والمصدر الصغر (بالتحريك). وأصله من الصغر دون الكبر]

الدعوة إلى عبادة الله الواحد
هذا
ودعوة هؤلاء الكفار والمشركين إلى عبادة الله الواحد اعتمدت إعمال العقل فى
دلائل وحدانية الله عز وجل, وقد وقفنا من قبل عند الآيات التى تبين
البراهين الدالة على وحدانية الله سبحانه وتعالى وقدرته المطلقة , ونقف
الآن مع أربع آيات تدعو هؤلاء الكفار والمشركين إلى إعمال تفكيرهم فيما جرى
للأمم السابقة التى كذبت الرسل عليهم السلام فهلكوا وكان مصيرهم النار.

- أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ
قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ
لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا
الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ
وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (6)

{يروا
بِمعنى يعلموا, وقرن أى أمة اصطبغت بصبغة عصر واحد, نُمكن : نَمدهم بكل
أسباب القوة والرزق}القرطبى , هذه الآية ذكرت فى موضعها من السورة
للاعتبار, والتذكير بالعقاب العاجل فى الدنيا, فقد كان أولى بِهؤلاء
المشركين الذين يعدلون به سبحانه وتعالى ما لم ينزل به سلطانا, ويَمترون فى
وحدانيته سبحانه وقدرته المطلقة وعلمه الذى يتسع ليشمل كل شىء فى هذا
الكون مهما كان دقيقا, ويعرضون عن آياته جل وعلا أن يعتبروا بِمصير الأمم
السابقة, كيف أهلكهم الله بذنوبِهم بعد أن مكن لهم فى الأرض وأمدهم بكل
أسباب الرزق, وبكل أسـباب القوة, ولكنهم تَمادوا فى غيهم وأكثروا من الذنوب
والخطايا التى كانت سـببا فى هلاكهم .

- قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)
الاتعاظ
والاعتبار بالسابقين من سمات ذوى العقول النابِهة والقلوب الواعية, لذلك
كانت هذه الدعوة لتتبع أخبار الأقوام السابقة الذين كذبوا رسلهم كأقوام عاد
وثَمود وما أصابَهم جراء تكذيبهم من السبل التى أراد المولى عز وجل أن
يسلكها نبيه [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] لإبلاغ رسالته, فهذه الآية أيضا دعوة للاعتبار بِمآل

المكذبين من الأمم السابقة, دعوة
إلى السير والبحث والتنقيب عن أخبار الأولين والآخرين, دعوة إلى دراسة
التاريخ - بلغة العصر - دراسة مستفيضة, من أوجهه المختلفة, ومن زواياه
المختلفة, فالتاريخ ملىء بالعبر, تكاد تنطق أحداثه بالحق, الحق الذى قد
تغيبه أحداث الحاضر, الحق الذى قد تتجاهله أقلام تسطر الكتب عن حقبة أو حقب
مضت, ولكنها سرعان ما تنكشف, ويظهر الحق ولو كره الضالون المضلون. والآية
تشير إلى أن العاقبة هى التى يجب أن تكون محل اعتبار, فالتاريخ مقدمات
ونتائج, والنتائج دائما تولد من أرحام مقدمات, لذا يجب أن ينصب حكمنا على
أية حقبة من حقب التاريخ على ما آلت إليه الأحداث, وعلى هذا ألأساس يكون
حكمنا على المقدمات.

-
فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ
شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً
فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ
ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)

هؤلاء
القوم نسوا ما ذكروا به, هذا يعنى أنّهم كانوا مؤمنين, ولكن بِمرور الأعوام
وتقلب الدهر عليهم شدة ورخاء نسوا ما ذكروا به, والنسيان آفة المؤمن,
والنسيان الجزئى يقود إلى النسيان الكلى, فالإيمان لا يتجزأ, والعقيدة وحدة
واحدة, نسوا ما ذكروا به, والنسيان مثله أيضا التهاون والتجاهل والتفريط,
وهذه المعانى تؤدى إلى النسيان فى آخر الأمر, النسيان الذى يقطع ما بين
المرء والعقيدة الصحيحة, فتخبو جذوة الإيمان شيئا فشيئا, إلى أن تنطفئ فى
القلب وتصبح رمادا, نسوا ما ذكروا به فأغدق الله عليهم من نعمه التى لا
تحصى, وهذا ما يعنيه التعبير القرآنى [فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ
كُلِّ شَيْءٍ], فماذا فعلوا هل عادوا إلى ما ذكروا به, كلا لقد فرحوا بِما
أوتوا, لم تدفعهم النعمة إلى الشكر, شكر المنعم الذى رزقهم من حيث يعلمون
ومن حيث لا يعلمون, فرحوا بِما أوتوا فأخذهم الله بغتة, ليكون فى أخذهم وهم
فى حالة الفرح هذه - والله أعلى وأعلم - عقاب على العقاب الذى ينتظرهم,
فإذا هم مبلسون (أصل الإبلاس في كلام العرب عند بعضهم : الحزن على الشيء
والندم عليه. وعند بعضهم : انقطاع الحُجة والسكوت عند انقطاع الحجة. وعند
بعضهم: الخشوع، وقالوا: هو المخذول المتروك) وإنى أرى أن هذه المعانى على
ما بينها من اختلاف تنطبق على هؤلاء الذين أخذهم الله بغتة أى فجأة وهم
آمنون, وإذا هنا هى إذا الفجائية, فاستخدام إذا هنا بعد بغتة يبين هول ما
وقع لهؤلاء القوم, وشدة العذاب الذى تعرضوا له. وقريب منه قوله تعالى فى
سورة الإسراء [وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا
مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ
فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً
(16)
], ففاء التعقيبية فى الأفعال الثلاثة (ففسقوا) و(فحق) و(فدمرناها) تدل
على سرعة تعاقب الأحداث وهول ما تعرضت له القرية من تدمير وما تعرض له
أهلها من عذاب.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://kholif.forumegypt.net
محمد خليف
مؤسس المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 194


مُساهمةموضوع: رد: تأملات فى سورة الأنعام   الثلاثاء 16 أغسطس 2011, 1:34 am

قلنا
إن سورة الأنعام من السور العقائدية التى تبحث فى العقيدة من جوانبها
المختلفة, والدعوة إلى الله أحد هذه الجوانب, وحينما تصطدم هذه الدعوة
بجدار التكذيب والجحود, تأتى آيات التهديد والوعيد لتقرع الآذان, حتى لا
يكون لمكذب حجة يوم القيامة, وقد وردت فى سورة الأنعام خمسة عشر آية انصرفت
إلى التهديد والوعيد وبيان جزاء من يكذب بآيات الله ويبتعد عن سبيل الحق,
يوم لا تزر وازرة وزر أخرى, ويوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله
بقلب سليم.

نقف الآن عند هذه الآيات
التى تأخذ بألباب المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبُهم, وازدادوا
إيمانا, ولكن الذين طمس الله على قلوبِهم فضلوا, وسلكوا سبل الضلال, فهذه
الايات تبين لنا مصيرهم, والعذاب الذى سوف يلقونه يوم القيامة.

- وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ
جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ
الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ
إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ
كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا
يَفْتَرُونَ (24)

هذا وصف لموقف المشركين
يوم القيامة, إذ سوف يسألهم المولى جل وعلا عن شركائهم, فيقسمون به تعالى
أنّهم ما كانوا مشركين, وقد أطنب المفسرون فى وصف هذا المشهد بِما يفى,
وأوفاه قول
ابن عباس{يغفر الله تعالىٰ لأهل الإخلاص ذنوبَهم، ولا يتعاظم عليه ذنب أن
يغفره، فإذا رأى المشركون ذلك؛ قالوا إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشِّرك
فتعالَوا نقول إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين؛ فقال الله تعالىٰ: أما
إذْ كتموا الشِّرك فاختموا على أفواهِهم، فيختم على أَفواهِهِم، فتنطق
أيديهم وتشهد أرجلهم بِما كانوا يكسبون، فعند ذلك يعرف المشركون أن الله لا
يُكتَم حديثاً؛ فذلك قوله تعالى فى سورة النساء [يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ
وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً (42)], وتكتمل صورة هذا المشهد فى
سورة الكهف فى قوله تعالى [وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ
ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ
وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً (52) وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ
فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً
(53) ], موبقا أى مهلكا, ظنوا : الظن هنا بِمعنى العلم واليقين, وقد ورد
الظن بِمعنى اليقيبن فى مواضع كثيرة نعرض لها فى موضع آخر إن شاء الله.

- وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26)
تبين الآية الكريمة لنا أنّ الكفار والمشركين بتكذيبهم الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة],
وإعراضهم عن القرآن, يتسببون فى هلاك أنفسهم يوم القيامة بالعذاب الشديد
دون أن يشعروا بِمدى الجرم الذى يرتكبونه فى حق أنفسهم, {الهاء فى عنه
متعلقة بالرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] على قول ابن عباس رضى الله عنهما, ومتعلقة بالقرآن على قول قتادة, وإن هنا نافية بِمعنى ما. القرطبى} ,

- وَلَوْ تَرَى إِذْ
وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ
بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ
مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا
عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا
حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29)
وَلَوْ
تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ
قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ
تَكْفُرُونَ (30) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ
حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا
عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى
ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31)

هذا إخبار بِما سوف يحدث,
وحينما يخبرنا المولى جل وعلا عما سوف يحدث يوم القيامة فهو إخبار يقينى
لأنه إخبار من يَملك مقادير كل شىء فى ذلك اليوم [
مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (3)]
الفاتحة, والموقف هو موقف الحسرة يوم لا تنفع الحسرة, والندم يوم لا يفيد
الندم, ومع هذا فإن المولى عز وجل يخبرنا بأنّهم لو ردوا لعادوا لما نُهوا
عنه وهو الشرك بالله والتكذيب بآياته, وهو إخبار يقينى أيضا لأنه سبحانه
وتعالى هو الأعلم بخلقه, وقد جرى عليهم قدر الله بأنّهم مشركون فحتى لو
وقفوا على النار ورأوا العذاب بأعينهم ثم عادوا إلى الحياة الدنيا لعادوا
إلى الشرك والضلال, ذلك لأنّهم رأوا من الآيات فى حياتِهم الدنيا ما يجعلهم
- إذا أخلصوا التفكر والتدبر فيها - يؤمنون برسالة التوحيد التى بعث بِها
محمد عليه الصلاة والسلام. وكم من باحث عن الحقيقة فى عصرنا انتهى به بحثه
إلى الدخول فى الإسلام والتصديق بكل ما جاء به الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة].
فهؤلاء الذين يزعمون أنّهم لو ردوا فلن يكذبوا بآيات ربّهم لم يكونوا فى
حياتِهم الدنيا تعوزهم الآيات التى تشهد بوحدانية الله عز وجل وصدق رسوله [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]. فلو ردوا لعادوا للشرك كم أخبر المولى عز وجل
, [وَقَالُوا إِنْ هِيَ ..] قالوا معطوف على عادوا فالسياق على ذلك (لعادوا .. وقالوا إن هى ...) أى لعادوا لما نُهوا عنه ولمعتقداتِهم الخاطئة من أن الحياة الدنيا لا يتبعها بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار, وقوله تعالى [بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ]
جاء فى الطبرى {ما كانوا يخفون من قبل أى أعمالهم}, وجاء فى القرطبى
{واختلفوا في معنى [بَدَا لَهُمْ] على أقوال بعد تعيين مَن المراد؛ فقيل:
المراد المنافقون لأن اسم الكفر مشتمل عليهم، فعاد الضمير على بعض
المذكورين؛ قال النحاس: وهذا من الكلام العَذْب الفصيح. وقيل: المراد
الكفار وكانوا إذا وعظهم النبيّ [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
خافوا وأخفوا ذلك الخوف لئلا يَفْطَن بِهم ضعفاؤهم، فيظهر يوم القيامة؛
ولهذا قال الحسن: [بَدَا لَهُمْ] أي بدا لبعضهم ما كان يُخفيه عن بعض.
وقيل: بل ظهر لهم ما كانوا يجحدونه من الشِّرك فيقولون [وَاللَّهِ رَبِّنَا
مَا كُنّا مُشْرِكِينَ] فينطق الله جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر فذلك حين
[بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ] قاله أبو رَوْق. وقيل:
[بَدَا لَهُمْ] ما كانوا يكتمونه من الكفر؛ أي بدت أعمالهم السيئة كما قال
[وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ (47)]
الزمر. قال المبردّ: بدا لَهُم جزاء كفرهم الذي كانوا يخفونه. وقيل: المعنى
بل ظهر للذين اتبعوا الغُواة ما كان الغُواة يخفون عنهم من أمر البعث
والقيامة؛ لأن بعده [وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا
وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ].
[وَلَوْ
تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ
قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ
تَكْفُرُونَ (30)] وتتوالى الآيات فى وصف هذا المشهد الرهيب .. مشهد هؤلاء
المشركين المكذبين يوم القيامة حين يسألهم المولى عز وجل أليس هذا البعث
الذى كذبتم به حقا, وهم يرون كل شىء فلا يَملكون إلا أن يقولوا (بلى), وبلى
هى جواب الإثبات على السؤال المنفى, أى هو الحق وربنا, أقسموا بربِّهم
تأكيدا على اعترافهم, فحق عليهم العذاب جزاء كفرهم وتكذيبهم وضلالهم. [قَدْ
خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ
السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا
وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا
يَزِرُونَ (31)
] بعد وصف هذا
المشهد الرهيب يأتى تقرير المولى عز وجل بخسارة هؤلاء الكفار والمشركين
الذين كذبوا بلقاء ربّهم وهو الحق, فأتتهم الساعة فجأة على غير توقع,
فتراهم يتحسرون على ما كانوا يفعلون تفريطا وتَهوينا من أمر الساعة وأمر
الآخرة.
[وَهُمْ يَحْمِلُونَ] جملة حالية فهميتحسرون على تفريطهم فى أمر الساعة, وعليهم من الذنوب والخطايا ما يزيد من حسرتِهم وندمهم.

- قُلْ هُوَ الْقَادِرُ
عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ
أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ
بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)

هذه الآية ثالثة ثلاث آيات
متتاليات, وقفنا من قبل عند اثنتين منها, كل من هذه الايات تبدأ بكلمة قل,
والآيات التى تبدأ بكلمة قل فى سورة الأنعام خاصة - وهى كثيرة – هى آيات
توجيه للرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة], وأيضا لبث الطمأنينة فى نفسه والتسرية عنه [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] وهو يواجه جحافل الشرك من حوله, وهذه الآيات الثلاث من بينها تبين للرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
أن الله قادر على أن يبعث عليهم عذابا من حيث لا يتوقعون, وقد ذكرهم
بِموقف لا يَملكون فيه إلا أن يدعوه سبحانه تضرعا وخفية, حين يطبق عليهم
ظلام البر والبحر,
[قُلْ مَنْ
يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً
وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ
الشَّاكِرِينَ (63)]
ثم يجيبهم مبينا لهم جحودهم بنعمته عز وجل [قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64)],
فمن فعل هذا بِهؤلاء قادر على أن يبعث عليهم عذابا لا منجاة لهم منه, أو
يلبسهم شيعا أى يجعلهم فرقا مختلفى الأهواء يقاتل بعضهم بعضا. جاء فى
القرطبى
: {وقيل: معنى "يلبسكم
شيعا" يقوي عدوكم حتى يخالطكم وإذا خالطكم فقد لبسكم. "شيعا" معناه فرقا.
وقيل يجعلكم فرقا يقاتل بعضكم بعضا؛ وذلك بتخليط أمرهم وافتراق أمرائهم على
طلب الدنيا. وهو معنى قوله "ويذيق بعضكم بأس بعض" أي بالحرب والقتل في
الفتنة؛ عن مجاهد. والآية عامة في المسلمين والكفار. وقيل هي في الكفار
خاصة. وقال الحسن: هي في أهل الصلاة. قلت: وهو الصحيح؛ فإنه المشاهد في
الوجود، فقد لبسنا العدو في ديارنا واستولى على أنفسنا وأموالنا، مع الفتنة
المستولية علينا بقتل بعضنا بعضا واستباحة بعضنا أموال بعض. نعوذ بالله من
الفتن ما ظهر منها وما بطن. وعن الحسن أيضا أنه تأول ذلك فيما جرى بين
الصحابة رضي الله عنهم. روى مسلم عن ثوبان قال قال رسول الله [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]:
(إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربِها وأن أمتي سيبلغ ملكها ما
زوي لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها
بسنة عامة وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي
قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني قد أعطيتك لأمتك ألا
أهلكهم بسنة عامة وألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو
اجتمع عليهم من أقطارها أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا
ويسبي بعضهم بعضا).}
انتهى , ولست
فى حاجة إلى القول هنا بأننا اليوم يذيق بعضنا بأس بعض كما أخبرتنا الآية
الكريمة, وسهل على أعدائنا التسلط علينا فتداعوا علينا كما تتداعى الأكلة
على قصعتها, وليس من قلة نحن, فإننا كثير, ولكن كغثاء السيل, فهكذا أخبرنا
الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]. وها نحن على حال لا تخفى على أحد, نعانى الشقاق والنفاق والضعف والهوان ولا حول ولا قوة إلا بالله .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://kholif.forumegypt.net
محمد خليف
مؤسس المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 194


مُساهمةموضوع: رد: تأملات فى سورة الأنعام   الثلاثاء 16 أغسطس 2011, 1:36 am

-وَذَرِ
الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ
الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ
لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ
كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا
كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا
يَكْفُرُونَ (70)

(الهاء فى به : قيل متعلقة
بالقرآن أى وذكر بالقرآن, وقيل بالحساب أى وذكر بالحساب, ورأيى أنّها
متعلقة بالقرآن, استنادا إلى ما ورد فى الآيات السابقة على هذه الآية, أن
تبسل نفس : أى كراهة أن تبسل نفس, على اعتبار كراهة : مفعول لأجله محذوف ,
تبسل : ترتَهن وتصبح معرضة للهلاك, وهذا أقرب ما قيل للصحة فى التفاسير,
حميم : الشراب الحار الذى لا يطفئ غلة الظمأ بل يزيد من حدته), اتخذوا
دينهم لعبا ولهوا : اللعب ضد الجد, كالهزل وإنّما الهزل فى القول واللعب فى
الفعل, واللهو كل ما يصرف الإنسان ويشغله عن دينه ومطالب دنياه المشروعة.
وقد وصفت الحياة الدنيا فى القرآن بأنّها لعب ولهو فى أربعة مواضع أولها فى
سورة الأنعام [
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (32)] , والثانى فى سورة العنكبوت, وفيه قُدم اللهو على اللعب
[وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) ] والثالث فى سورة محمد [إِنَّمَا
الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا
يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36)
], والرابع فى سورة الحديد, وفيها زيد أنّها زينة وتفاخر وتكاثر فى الأموال والأولاد
[اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ
وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ
كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ
مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ
وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا
مَتَاعُ الْغُرُورِ (20)
],
والمقصود بالحياة الدنيا فى كل هذه الآيات متاعها ولذاتِها لأنّها إلى
نِهاية وزوال. وذُكر من اتخذوا دينهم لعبا ولهوا فى موضعين أحدهما فى الآية
التى بين أيدينا من سورة الأنعام, والثانى فى سورة الأعراف [
الَّذِينَ
اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ
الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا
وَمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ (51)]
,
وقُدِّم فيها اللهو على اللعب. وأتبع ذلك فى الآيتين قوله تعالى [وغرتّهم
الحياة الدنيا], فكأن الحياة الدنيا غاية متمناهم فاغتروا بِها, وجعلوا من
الدين شيئا يلعب به ويلهى كجزء من معطيات الحياة عندهم. فالذين يتمادون فى
اتخاذ دينهم لعبا ولهوا تبسل أنفسهم أى تحبس رهن العذاب, فلا يشفع لها أحد
من دون الله, ولا يؤخذ منها فداء, ولهم فى الآخرة شراب حار يزيد من ظمئهم
ولهم عذاب أليم جزاء كفرهم .

- وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ
ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ
إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ وَلَوْ
تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ
بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ
عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ
وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93)

أظلم أى أشد ظلما, والظلم
لفظ جامع لكل حيد عن الحق, فالجور على الحق ظلم والحكم بغير الحق ظلم
والافتراء بالكذب ظلم, وتحميل النفس بِما لا تطيق ظلم, ولكن أشد الظلم أن
يُفترى على الله كذبا, وقد أكد الحق جل وعلا على هذا المعنى فى تسعة مواضع
فى القرآن ثلاثة منها فى سورة الأنعام [وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى
عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ
الظَّالِمُونَ (21)] والآية التى بين أيدينا , وفى الآية 144 [وَمِنَ
الْإبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ
أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ
الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ
النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
(144)], وفى سورة الأعراف [فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ
كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ
الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا
أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا
وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (37)] , وفى
سورة يونس [فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ
كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ
(17)]
, وفى سورة هود [وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً
أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأشْهَادُ هَؤُلاءِ
الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى
الظَّالِمِينَ
(18)] وفى سورة
الكهف [هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا
يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ
افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً (15)] , وفى سورة العنكبوت [وَمَنْ أَظْلَمُ
مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا
جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ
(68)]
, وفى سورة الصف [وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ
وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْأِسْلامِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ
(7)] , وقد
اقترن الافتراء على الله كذبا بتكذيب آياته فى ثلاثة مواضع (الأنعام 21,
الأعراف 37, يونس 17) , وفى الأنعام 144 اقترنت بعلة هذا الافتراء وهو
إضلال الناس بغير علم, وفى الكهف أطلقت على أولئك الذين اتخذوا من دون الله
آلهة, وفى العنكبوت اقترنت بالتكذيب بالحق, وهو جامع لكل ما أنزل الله على
نبيه [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة],
وفى الصف لم تقترن بفعل آخر وإنّما عرضت الآية أن من يفترى على الله الكذب
وهو يدعى إلى الإسلام هو الأشد ظلما. بقى الموضع الذى بين أيدينا, وفيه
بين المولى عز وجل أن الافتراء عليه سبحانه قد يأخذ شكلا آخر كأن يقول قائل
: (أوحى إلى) ولم يوح إليه شىء , أما قوله تعالى [وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ
مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللهُ] فليس ما أتى به المتحدِّث عنه داخلا ضمن
الافتراء على الله, ولكنه ضمن الأشد ظلما, إذ أن (مَنْ) هنا معطوفة على
(مَنْ فى مِمَّنْ), فالسياق إذًا (فمن أظلم ممن افترى .. ومن قال سأُنزل ),
هذا والله أعلى وأعلم بِمراده. بعد ذلك يبدأ المولى عز وجل فى وصف مشهد
آخر لا يقل رهبة عن المشهد السابق, إنه مشهد قبض الروح, يبدأ الوصف بقوله
تعالى [وَلَوْ تَرَى] لو فى اللغة حرف امتناع لامتناع أى امتناع جواب الشرط
لامتناع فعله, كقول القائل (لو جئت لرأيتنى) فامتنعت الرؤية لامتناع
المجىء, وهى لا تجزم الفعل المضارع مثل إن, وهنا دخلت على المضارع ترى وهو
فعل الشرط الذى لم يأت جواب له, فالجواب مقدر وتقديره (لهالك ما ترى) مثلا
أو (لوقفت على قدرة الله عز وجل) أو ما شابه من أجوبة يقدرها السامع,
وابتداء الكلام بـ "لو ترى" هكذا يهيىء السامع لتلقى شىء عظيم, أما ترك
جواب الشرط للتقدير فهو لبيان هول الموقف ورهبته, وقد ورد ذلك فى موضعين فى
سورة الأنعام غير هذا الموضع فى قوله تعالى [وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا
عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ
رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27)] , وفى قوله تعالى [وَلَوْ
تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ
قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ
تَكْفُرُونَ (30)] كذلك ورد فى سورة الأنفال فى قوله تعالى [وَلَوْ تَرَى
إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ
وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ
(50)] وفى سورة السجدة فى قوله تعالى [وَلَوْ
تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ
رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا
مُوقِنُونَ
(12)] , وفى سورة
سبأ فى قوله تعالى [وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا
الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ
الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى
بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ
اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31)], وفى قوله تعالى
فى نفس السورة [وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ
مَكَانٍ قَرِيبٍ
(51)],
وتشترك
هذه الآيات فى أنّها تصف هول الموقف يوم القيامة, وهول الموقف لدى قبض
الروح, وتفسير (باسطو أيديهم) نجده فى سورة الأعراف فى قوله تعالى
(يَضْرِبُونَ
وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ), أما قوله تعالى (أخرجوا أنفسكم) فهو فى أصح
الأقول خلصوها من العذاب وبالطبع لن يستطيعوا إلى ذلك سبيلا, فكأنه
التوبيخ هو المقصود والله أعلم.

- وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا
فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا
خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ
الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ
بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)

الآية تصور أحد مشاهد
الآخرة الباعثة على الرهبة, فهؤلاء المشركون الذين تحدثت عنهم الآية
السابقة يعودون إلى الله خالقهم, ومحييهم ومميتهم وباعثهم إليه يوم
القيامة, خالقهم فرادى ومعيدهم إليه فرادى كما كانوا, وقد تركوا أمتعتهم
وما كانوا يحرصون عليه فى دنياهم ويتباهون به من أموال وأولاد وجاه وسلطان
وغير ذلك مما وهب الحق سبحانه وتعالى عباده من نعم وجعلهم متصرفين فيها
بإرادتِهم - فهذا معنى خولناكم -, يعودون إليه سبحانه وليس معهم شفعاء
يخففون عنهم العذاب الذى ينتظرهم, وقد زعموا أنّهم فيهم شركاء, ماذا حدث؟
لم تعد هنالك أية صلة بينهم, وأصبح كل منهم مشغولا بنفسه, ففى ذلك اليوم
العصيب لا ينفع مال ولا بنون, إلا من أتى الله بقلب سليم, فى هذا اليوم
العصيب يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ
شأن يغنيه.

- وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ
اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإنْسِ
رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي
أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا
شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي
بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129) يَا
مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ
هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ
الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ
(130)
هذه الآيات أيضا تصف أحد
مشاهد يوم القيامة, وتظهر أن علاقة ما تربط بين الإنس والجن, وقد تحدثت
أيات كثيرة عن هذه العلاقة إلا أن ما يخفى منها على البشر أكثر مما يعلم,
ففى قوله تعالى[رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ], جاء فى
الطبرى(كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي
فذلك استمتاعهم، فاعتذروا يوم القيامة. وأما استمتاع الجنّ بالإنس، فإنه
كان فيما ذكر، ما ينال الجنّ من الإنس من تعظيمهم إياهم في استعاذتِهم
بِهم، فيقولون: قد سدنا الجنّ والإنس.) انتهى, وهذا غاية ما قيل وغاية ما
يقال فى هذا الشأن, أما استعاذة الإنس من الجن فقد وردت صريحة فى قوله
تعالى [وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ
الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً (6) الجن] أما قوله تعالى [قَدِ
اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإنْسِ] ففيه قال المفسرون استكثرتم من إضلالهم,
و[أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا] أى الموت, أما هذا الاستثناء [إِلَّا
مَا شَاءَ اللَّهُ] فأقرب ما قيل إلى الصواب فى رأيى أن الله جعل أمر
هؤلاء القوم في مبلغ عذابه إياهم إلى مشيئته سبحانه.

قلنا إن ما يخفى من أمر
هذه العلاقة بين الجن بالإنس أكثر مما يعلم, إنّما جاءت هذه الآية لتوضح
مدى الجرم الذى يرتكبه من يتولى من البشر أحدا من الجن إلى حد أنه يستعيذ
به من دون الله, وأن هذا العلاقة إذا قامت على أى شكل من الأشكال فإن
جزاءها النار وبئس المصير. وينسحب ذلك على البشر فيما بينهم, فالذى يتولى
أحدا من البشر أيضا يناله نفس الجزاء, يبين ذلك قوله تعالى [وَكَذَلِكَ
نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129)] ,
فقد وصف الحق سبحانه وتعالى أولئك الذين يتولى بعضهم بعضا بالظالمين.
والظلم ظلمات يوم الفيامة نعوذ بالله أن نكون من الظالمين. ولا حجة لأحد
سواء من معشر الجن أو من معشر الإنس, بعد أن أتتهم رسل الله يتلون عليهم
آياته وينذرونَهم لقاء هذا اليوم العصيب, فهم بكل هذا معترفون, فحق عليهم
العذاب بِما كانوا يكفرون.

- وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ
ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ
مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133)
إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134)

[الْغَنِيُّ] أى عن
العالمين, [ذُو الرَّحْمَةِ] أى الرحيم بعباده, واقتران الرحمة بالألف
واللام هنا يدل على أن من يتصف بالرحمة من خلقه إنّما أوتى جزءا من رحمته
سبحانه وتعالى. [ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ..], أى غير مستصعب عليه سبحانه
وتعالى أن يذهبكم بعصيانكم حسب مشيئته, ويأتى بآخرين حسب مشيئته أيضا
سبحانه وتعالى, فهؤلاء الذين يعمرون الأرض إنّما أتوا من ذرية أقوام أذهبهم
الله, [إِنَّ مَا تُوعَدُونَ] أى ما وعدكم به ربكم من حساب وعقاب, [لَآتٍ]
أى لحاصل وواقع, [وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ] لن يعجز الحق سبحانه أن
يفعل بكم ما يريد
.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://kholif.forumegypt.net
محمد خليف
مؤسس المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 194


مُساهمةموضوع: رد: تأملات فى سورة الأنعام   الثلاثاء 16 أغسطس 2011, 1:37 am

تحدثنا
آنفا عن عدة محاور تدور حولها المعانى التى وردت فى سورة الأنعام, المحور
الرئيس هو قدرة الله المطلقة الموجبة لعبادته وحده لا شريك له, المحور
الثانى هو التسرية عن الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
وتوجيهه إلى ما يقول ويفعل إزاء تعنت الكفار وعنادهم وإصرارهم على مواقفهم
المناهضة لدعوة لا إله إلا الله, تلك المواقف التى تُمثل المحور الثالث من
هذه المحاور, أما المحور الرابع فهو المصير الذى ينتظر أولئك المكذبين
الذين أصروا على أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا, والآن مع هذه
المحاور مجتمعة فى موضوع غاية فى الأهمية, تفردت به سورة الأنعام, فلم يذكر
فى سواها, إنه الشرك فى أبشع صوره حين يعدل الكفار بربّهم أصناما وأوثانا
ما أنزل الله بِها من سلطان, وبداية نقول إن
الحق
سبحانه وتعالى قد أمرنا أن نأكل مما ذكر اسم الله عليه, وقد فصل لنا فى
مواضع كثيرة ما حرمه علينا, والآيات التالية تؤكد على هذه الحقائق التى
تعتبر جزءا لا يتجزأ من العقيدة؛

-
فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ
مُؤْمِنِينَ (118) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ
اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَد فصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا
اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ
بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119)
وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ
الْإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) وَلا تَأْكُلُوا
مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ
الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ
أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)

تبدأ
هذه الآيات بأمر من الله تعالى أن نأكل مما ذكر اسم الله عليه, فذكر اسم
الله فرض علينا حين نطعم وحين نشرب وحين نذبح, وهذا الأمر أتبع بعد ذلك
بنهى عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه, وفى الآية (144) من السورة نفسها
سنجد الحكم بحرمة أكل ما لم يذكر اسم الله عليه, فالمسألة إذًا من الخطورة
بِمكان حتى أن المولى عز وجل أمرنا أن نفعل, ونَهانا عن ألا نفعل, لأن ترك
هذا الفعل فسق, وقد فصل لنا ما حرم علينا ومنه أكل ما لم يذكر اسم الله
عليه فى هذه السورة, ثم فى سورة النحل ثم فى سورة البقرة وأخيرا فى سورة
المائدة (بترتيب النزول), وتحريم ما لم يذكر اسم الله عليه هو الأخطر فى كل
ما حرمه الله, ذلك لأن الميتة تنتفى حرمتها عند الاضطرار, وكذلك الدم
المسفوح ولحم الخنزير, ولكن لا يضطر الإنسان أن يأكل ما لم يذكر اسم الله
عليه, أيضا لأن معنى ألا يذكر اسم الله عليه أن يذكر غير الله, وهنا يكون
الشرك قد أخذ صورة بشعة, وقد اختصت سورة الأنعام بتفنيد مزاعم المشركين فى
هذا الأمر لأنه يَمس العقيدة مباشرة كما سنرى, لذا جاء تحريم أكل ما لم
يذكر اسم الله عليه أولا فى صورة أمر أن نأكل ما ذكر اسم الله عليه, ثم
إنكار ألا نأكل ما ذكر اسم الله عليه, ثم نَهى عن أكل ما لم يذكر اسم الله
عليه, ثم بعد ذلك بيان ما حرم الله ومنه ما لم يذكر اسم الله عليه,
[وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ],
تشير هذه الآية إلى العادات التى كانت متبعة أيام الجاهلية, عادة الذبح
لغير الله, وتحريم ما أحل الله مما سوف يأتى تفصيله لاحقا إن شاء الله,
ويضلون بأهوائهم أى يضلون غيرهم بتشريعات من عندهم, لا تستند إلى علم جاءهم
من عند الله عز وجل, وهم بذلك يعتدون على شرع الله الذى شرع لعباده, فهو
سبحانه أعلم بِهم.
[وَذَرُوا
ظَاهِرَ الْإثْمِ وَبَاطِنَهُ], ذروا أى اتركوا واجتنبوا, ظاهر الإثم أى ما
ظهر للناس, وباطنه أى ما لا يظهر للناس, وهنا يكون ظاهر الإثم أكل ما لم
يذكر اسم الله عليه اجتراء على شرع الله, وباطنه هو الشرك بالله حين يؤكل
ما ذكر عليه اسم غير الله [ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإثْمَ
سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ]
,
يقترفون أى يكتسبون. ثم يأتى النهى عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه, وقد
وصفه الحق سبحانه وتعالى بأنه فسق أى خروج عن طاعة الله, يقال فسقت الرطبة
إذا خرجت من قشرتِها,
[وَإِنَّ
الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ
أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ] , [أَوْلِيَائِهِمْ] أى أولياء
الشياطين وهم أولئك الذين يصغون إلى شياطين الإنس والجن فيما يوحون به
إليهم, ويعصون الله فيما يأمرهم به, [لِيُجَادِلُوكُمْ] أى فيما حرم الله
سبحانه وتعالى وفيم حرم المشركون, والجدال حتى فى الأمور المعتادة منهى
عنه, وهو محرم فى الحج, فما هو الحال إذا كان الجدال حول ما شرع الله وما
شرع البشر, والعجيب أن هذا الجدال لم ينقطع إلى الآن, فمازال هناك من يجادل
فيما شرع الله, ولا يقبله, وربّما استهجنه, وأنكره ولا حول ولا قوة إلا
بالله. [وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ] أى وافقتموهم على ما يقولون, [إِنَّكُمْ
لَمُشْرِكُونَ] أى تكونون مثلهم مشركين.

ولما
كان أعظم الشرك أن يعدل المشركون بالله ما لا ينفع ولا يضر, فقد استهلت
سورة الأنعام بِهذه الحقيقة, والآيات التالية توضح كيف كان المشركون يعدلون
بالله أصناما يصنعونَها بأيديهم, يجعلون لها من الأنعام نصيبا ولله نصيبا,
ويحرمون منها ما يدعون أن الله حرمه, وما حرمه الله ولكنهم كانوا على
ربِّهم يفترون , قال تعالى :

-
وَجَعَلُوا للهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً
فَقَالُوا هَذَا للهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ
لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَمَا كَانَ للهِ فَهُوَ يَصِلُ
إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ
لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ
لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ
مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137) وَقَالُوا هَذِهِ
أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ
بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ
اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا
يَفْتَرُونَ (138) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ
خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ
مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ
عَلِيمٌ (139) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً
بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى
اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140)

من هذه الآيات حسب ما جاء فى تفسير القرطبى يتضح أن هؤلاء المشركين :
-
جعلوا لله سبحانه وتعالى من خلقه نصيبا ولأصنامهم نصيبا, فإذا نفد نصيب
الأصنام بالإنفاق عليها وعلى سدنتها عوضوه من نصيب الله عز وجل, وإذا نفد
ما لله بالإنفاق على الضيفان والمساكين لم يعوضوه.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://kholif.forumegypt.net
محمد خليف
مؤسس المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 194


مُساهمةموضوع: رد: تأملات فى سورة الأنعام   الثلاثاء 16 أغسطس 2011, 1:40 am

زين
شركاؤهم لهم قتل أولادهم مخافة الفقر والعيلة, فكانوا يقتلون البنات, وكان
بعضهم ينذر أن يقتل ولدا إذا رزق بكذا من الأولاد كما فعل عبد المطلب,
والشركاء هنا كما جاء فى القرطبى خدمة الأوثان أو الغواة من الناس أو
الشياطين.

- حرموا أنعاما وحرثا وجعلوها لأصنامهم وقالوا: "لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم" وهم خدام الأصنام
- وأنعام حرمت ظهورها" يريد ما ينسبونه لآلهتهم على ما تقدم من النصيب. وقال مجاهد: المراد الجيرة والوصيلة والحام
-
وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها" يعني ما ذبحوه لآلهتهم. قال أبو وائل: لا
يحجون عليها. "افتراء" أي للافتراء "على الله"؛ لأنّهم كانوا يقولون: الله
أمرنا بِهذا ..

-
وقالو ما فى بطون هذه الأنعام .. قال ابن عباس: هو اللبن، جعلوه حلالا
للذكور وحراما على الإناث. وقيل: الأجنة؛ قالوا: إنّها لذكورنا. ثم إن مات
منها شيء أكله الرجال والنساء. (انتهى)

هذه
المزاعم تضع تشريعا يدل على مدى الجهل الذى كان يسيطر على عقول العرب قبل
الإسلام, قال ابن عباس رضى الله عنهما من أراد أن يعلم جهل العرب فليقرأ ما
فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام إلى قوله: "قد خسر الذين قتلوا
أولادهم سفها بغير علم" [الأنعام: 140]. لذا عندما جاء الإسلام كان لابد من
تفنيد هذه المزاعم, وبيان ما أحله الله لهم وما حرمه عليهم, وعلى الأمم
التى سبقتهم حتى لا تكون لهم حجة أنّهم إنّما يفعلون مثل الأمم السابقة.
ولكن الأمر ليس مجرد تحريم ما هو محلل, فالأمر أكبر من هذا بكثير, لقد صححت
سورة الأنعام كل المعتقدات الخاطئة, ووضعت ضوابط واضحة المعالم للتشريعات
التى يجب على المسلم اتباعها, لتكون حجة على كل من يخالف دين الإسلام إلى
يوم الدين.

هذه
المزاعم بدايةً لم ترد إلا فى سورة الأنعام, وإن وردت فى السورة نفسها جل
مزاعم الكفار والمشركين, وهذه خصوصية تفردت بِها سورة الأنعام عن كل سور
القرآن الكريم, من ناحية أخرى هذه المزاعم تسير بالكفار والمشركين فى اتجاه
معاكس للاتجاه الذى اعتادوا السير فيه, وهو استحلال ما حرم الله, واستمراء
العبث بِمحرماته جل وعلا, فهم فى هذه المرة يحرمون ما أحل الله, وظاهر
الأمر أنّهم يضيقون على أنفسهم بِهذا التحريم, ولكن العبرة هنا أنّهم
يشرعون لأنفسهم ولقومهم ما لم ينزل به الله من سلطان, وينسبون هذا التشريع
افتراء إلى الله جل وعلا, وهكذا يكون الجهل قد وصل بِهم إلى ذروته, والكفر
قد بلغ بِهم إلى غايته, فإن هذه المزاعم أظهرت ما يُمكن أن يكون عليه القوم
من سفاهة حينما يتركون تشريع الحق سبحانه وتعالى, ويتبعون أهواءهم التى
تُملى عليهم تشريعات تخل بالمسيرة الحياتية للفرد والمجتمع, وأعتقد والله
أعلم أن هذه المزاعم هى حجر الزاوية فى سورة الأنعام, ذلك أن هذه السورة
إنّما دحضت هذه المزاعم, ومزاعم الكفار الأخرى التى كونت عقائدهم المتهرئة,
كما ثبتت عقيدة التوحيد ورسختها فى قلوب الذين آمنوا بِها, وحملت آياتُها
لواء الدعوة إليها إلى يوم الدين, لتكون كلمة الله هى العليا وكلمة الذين
كفروا السفلى. فالسورة تبدأ بحمد الله الذى خلق السماوات والأرض وجعل
الظلمات والنور, بعد كل هذا هناك أقوام يعدلون به سبحانه وتعالى ما لا ينفع
ولا يضر ولا يخلق, ولا يَملك من أمره شيئا, بل يُصنع بأيدى هؤلاء الذين
ينكبون على عبادته. وقد وردت كلمة "يعدلون" فى القرآن الكريم بِمعنى يشركون
فى ثلاثة مواضع, اثنان منها فى سورة الأنعام (الآية 1 والآية 150),
والموضع الثالث فى سورة النمل [أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ
وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ
ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ
اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ
(60)]
ووردت بِمعنى يقيمون العدل فى موضعين آخرين فى سورة الأعراف الأول [وَمِنْ
قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159)]
والثانى [وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ
يَعْدِلُونَ
(181)]

سورة
الأنعام إذًا تعالج مسألة الشرك الذى بلغ حد أن جعلوا لله سبحانه وتعالى
نصيبا من حرثهم وأنعامهم, ولأصنامهم نصيبا, إلى آخر ما جاء فى الآية 136
والآيات التى تلتها, ومسألة الشرك هذه تتصل اتصالا مباشرا بالعقيدة, لذا
كان لابد من توضيح كل المفاهيم الخاصة بالعقيدة الصحيحة عقيدة التوحيد,

-
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ
وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ
وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ
إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ
لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً
كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142)

[وهو
الذى ...] الضمير هو متعلق بلفظ الجلالة فى الآية السابقة, فيكون سياق
المعنى (افتراء على الله وهو الذى أنشأ...) أى مع أنه أنشأ ... , أى لا محل
لهذا الافتراء لأن الله هو الذى أنشأ جنات ... إلى آخر الآية , وقد بينت
هذه الآية والآية التى تلتها ما خلقه الله سبحانه وتعالى للناس, وأحله لهم,
على أن يؤتوا زكاته, ولا يسرفوا فيه, ولا يتبعوا الشيطان فيما يأمرهم به,
والله أعلم بِمراده.

-
ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ
اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا
اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ
كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ
اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا
اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ
إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى
اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا
يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144)

هذا تفصيل ما أحله الله للناس من الأنعام . جاء فى إعراب ثَمانية فى تفسير القرطبى :
{قوله
تعالى: "ثمانية أزواج" "ثمانية" منصوب بفعل مضمر، أي وأنشأ "ثمانيةَ
أزواج"؛ عن الكسائي. وقال الأخفش سعيد: هو منصوب على البدل من "حمولة
وفرشا". وقال الأخفش علي بن سليمان: يكون منصوبا "بكلوا"؛ أي كلوا لحم
ثمانية أزواج. ويجوز أن يكون منصوبا على البدل من "ما" على الموضع. ويجوز
أن يكون منصوبا بِمعنى كلوا المباح "ثمانية أزواج من الضأن اثنين".} انتهى.
وقناعتى أن ثَمانيةَ منصوبة على أنّها مفعول كلوا أو مفعول ثان لـ رزقكم,

وفى تفسير هذه الآية جاء فى القرطبى:
[قال
العلماء: الآية احتجاج على المشركين في أمر البحيرة وما ذكر معها. وقولهم:
"ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا". فدلت على إثبات
المناظرة في العلم؛ لأن الله تعالى أمر نبيه عليه السلام بأن يناظرهم،
ويبين لهم فساد قولهم. وفيها إثبات القول بالنظر والقياس. وفيها دليل بأن
القياس إذا ورد عليه النص بطل القول به. ويروى: "إذا ورد عليه النقض"؛ لأن
الله تعالى أمرهم بالمقايسة الصحيحة، وأمرهم بطرد علتهم. والمعنى: قل لهم
إن كان حرم الذكور فكل ذكر حرام. لان كان حرم الإناث فكل أنثى حرام. لان
كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، يعني من الضأن والمعز، فكل مولود
حرام، ذكرا كان أو أنثى. وكلها مولود فكلها إذا حرام لوجود العلة فيها،
فبين انتقاض علتهم وفساد قولهم؛ فأعلم الله سبحانه أن ما فعلوه من ذلك
افتراء عليه "نبئوني بعلم" أي بعلم إن كان عندكم، من أين هذا التحريم الذي
افتعلتموه؟ ولا علم عندهم؛ لأنّهم لا يقرؤون الكتب. والقول في: "ومن الإبل
اثنين" وما بعده كما سبق "أم كنتم شهداء" أي هل شاهدتم الله قد حرم هذا.
ولما لزمتهم الحجة أخذوا في الافتراء فقالوا: كذا أمر الله. فقال الله
تعالى: "فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم" بين أنّهم
كذبوا؛ إذ قالوا ما لم يقم عليه دليل.]

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://kholif.forumegypt.net
محمد خليف
مؤسس المنتدى
avatar

عدد المساهمات : 194


مُساهمةموضوع: رد: تأملات فى سورة الأنعام   الثلاثاء 16 أغسطس 2011, 1:41 am

قُلْ
لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ
إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ
فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ
اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145)
وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ
وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ
ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ
جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146)

هذا أمر من الحق سبحانه وتعالى لنبيه [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] أن يقول لهم إنه لم يجد فيما أوحى إليه من القرآن ما يقولون بتحريمه, أى
لم يحرم الله سبحانه وتعالى من الطعام إلا الميتة والدم المسفوح ولحم
الخنزير أو ما أهل لغير الله به إلا على المضطر, أما بنو إسرائيل فقد حرم
الله عليهم كل ذى ظفر, وشحوم البقر والغنم, إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا
أو ما اختلط بعظم. وفى هذا الرد الشافى الكافى نوع من الاستمالة, والدعوة
إلى الإسلام لعل من بين هؤلاء الكفار من يستجيب لهذه الدعوة, ويدخل فى
الإسلام, لأن الرد فيه من أدب التبليغ ما يستميل أولى الألباب, فقد بين
النبى [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
أن مسألة التحريم والتحليل اختص الله سبحانه وتعالى نفسه بِها, لأنه هو
الذى يعلم ما فيه ضرر فيحرمه , وما ليس فيه ضرر فيحله, هذا ومن الجائز
تحليل ما حرم الله فى حالة الاضطرار, وفى ذلك رأفة ورحمة من الخالق جل وعلا
بعباده, أما تحريم ما أحل الله فلا يجوز البتة. [
جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ] أى ذلك التحريم إنّما كان جزاءً لبغيهم وتجرؤهم على حرمات الله, [وَإِنَّا لَصَادِقُونَ] أى فيما حرمنا وفيما أخبرنا عنهم والله أعلم.

- فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)
هنا نجد أن سياق الآيات يدل أن ما بلّغه الرسول [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
عن ربه استمال إليه بعض الذين يتحاورون معه فى هذا الشأن, لأن (إن) هنا
تقليلية, أى أن احتمال التكذيب قليل, والمعنى إن حدث هذا فقل لهم إن ربكم
رحيم رحمتة واسعة, وفى نفس الوقت لا يرد بأسه عن القوم المجرمين. وهنا أيضا
يتجلى الأدب النبوى فى التبليغ عن الحق سبحانه وتعالى, إذ لم يهدد ولم
يتوعد المكذبين سوء المصير, بل فتح لهم باب الرحمة أولا, ثم أخبرهم بعد ذلك
بأن الله لا يرد بأسه عن القوم المجرمين.

-
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا
آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ
فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ
إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ
شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ
يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ
مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا
وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
(150)

(سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ..
) هذا هو آخر مزاعم الكفار والمشركين, وفيه اعتراف بإشراكهم, وبتحريمهم ما
أحل الله, ولكن فى معرض دفاعهم عن أنفسهم يقولون إن هذا إنّما تم بِمشيئة
الله, والرد على هذا الزعم يسير جدا, يتضمنه سؤال لا يستطيعون إزاءه إلا أن
يصمتوا, هو : كيف علموا هذا الذى يقولون؟ بالطبع ليس لديهم ما يؤيد هذا
القول لأنّهم يتبعون ظنونَهم التى يُمكن أن تسير بِهم فى أى اتجاه. فإذا
كانت الأعمال تتم بِمشيئة الله عز وجل إلا أن أحدا لا يدرى ماذا فى علمه
سبحانه كى يحتج بِمثل هذه الحجة, فالإنسان أمامه أن يقدم على عمل ما أو لا
يقدم, وهذا ما يجب أن يوضع فى الاعتبار.

إلى
هنا تكون ادعاءاتُ الكفار والمشركين قد فندت, وأصبحوا أو أصبح بعضهم مهيأً
لتلقى دعوة الحق, دعوة لا إله إلا الله, بعد أن قطع عليهم الحق تبارك
وتعالى كل السبل, وأبطل كل ادعاءاتِهم, وأمر نبيه [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
ألا يتبع أهواءهم إذا استمروا فى عنادهم وشهدوا أن الحق جل وعلا هو الذى
حرم هذا عليهم, فهؤلاء يكذبون بآياته ولا يؤمنون بالآخرة ويعدلون بربِهم ما
لم ينزل به من سلطان.

-
قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا
تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا
أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا
تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا
النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ
بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ
إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا
الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا
وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى
وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ
وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ
وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)

المفهوم
من الآيات أن محارم الله عز وجل عشرة, خمسة منها منافية للعقل, أى أن
إعمال العقل يجعلنا نبتعد عنها وهى؛ الإشراك بالله, عقوق الوالدين, قتل
الأولاد من الإملاق, إتيان الفواحش ما ظهر منها وما بطن, قتل النفس التى
حرم الله إلا بالحق, , وأربعة قد يأتي الإنسان بِها أو بواحدة منها سهوا
إذا خبت جذوة الإيمان بقلبه, أى لابد من تذكيره بِها حينا بعد حين وهى؛ أكل
مال اليتيم, الجور فى الكيل والميزان, الميل عن الحق فى الكلام, خيانة
العهد, أما ترك الصراط المستقيم واتباع سبل أخرى غير سبيل الحق فمرجعه عدم
تقوى الله عز وجل, ولو تأملنا هذه المحارم وجدنا أن اجتنابَها مجتمعة يُمثل
دستور الحياة التى تقوم على أساس من الدين الإسلامى الحنيف وشريعته
الغراء, وقد تحدثت عن هذه المحارم بشىء من التفصيل فى موضوع مستقل نلتقى به
فى موضع آخر إن شاء الله

-
وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ
الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ
دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ
عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ

بَيِّنَةٌ
مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ
بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ
آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (157)

[وَهَذَا
كِتَابٌ] أى القرآن الكريم [فَاتَّبِعُوهُ] أى اتبعوا ما جاء فيه من أحكام
وعظات وعبر, [أَنْ تَقُولُوا] أى منع أن تقولوا, على اعتبار منع مفعول
لأجله محذوف, وكذلك قال البصريون وقدروا المفعول لأجله "كراهية أن تقولوا "
, كما فى قوله تعالى "وجعلنا على قلوبِهم أكنة أن يفقهوه .." أى حظر, أو
منع, أو كراهية أن يفقهوه, [طَائِفَتَيْنِ] اليهود والنصارى والمقصود
بالكتاب الذى أنزل عليهما التوراة والإنجيل [وَإِنْ كُنَّا عَنْ
دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ] أى عن لغاتِهم ومعرفة أحكامهم, [وَصَدَفَ]صدف
عنها بِمعنى أعرض عنها إلى ما سواها. هذه الآيات قطعت على الكفار أية حجة
يُمكن أن يحتجوا بِها عند المولى عز وجل, لأنّها تضمنت فرض اتباع القرآن
الكريم فى كل ما جاء فيه من أحكام, ولا يتم ذلك إلا بالإيمان المطلق بأنه
منزل من عند الله عز وجل, وهذا هو الإطار الصحيح لعقيدة التوحيد التى بعث
بِها محمد [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] .

-
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ
رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ
رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ
أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا
مُنْتَظِرُونَ (158)

لا
تتحدث هذه الآية عمن لم يؤمنوا برسالة التوحيد فقط, ولكن تتحدث عن أولئك
الذين آمنوا بِها ولم يكسبوا خيرا فى إيمانِهم, أى لم يتوبوا عما اقترفوا
من آثام, فماذ ينتظر هؤلاء ليؤمنوا, وماذا ينتظر هؤلاء ليتوبوا, هل ينتظرون
ما يجعلهم يؤمنون حق الإيمان برسالة التوحيد, حين تأتيهم الملائكة أى
ملائكة الموت, أو يأتى ربك أى أمر ربك بالقتل ونحوه, أو رؤية بعض أيات
الله, والمقصود بِها كما جاء فى القرطبى علامات القيامة الكبرى وهى طلوع
الشمس من مغربِها والدجال وخروج الدابة. فمن يؤمن حينذاك لا ينفعه إيمانه,
ومن يتوب لا تقبل توبته. وهذه مسألة تَمس العقيدة فى صميمها, فالإيمان
بِهذه العقيدة لابد أن يكون تاما غير منقوص, ومن تَمامه أن نؤمن بكل ما بعث
به محمد [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة] فى حينه, وحين تأتينا أخباره أينما كنا, إيمانا لا شك فيه ولا مراء ولا تردد.

-
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ
فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا
كَانُوا يَفْعَلُونَ (159) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ
أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (160)

المقصود
بالذين فرقوا دينهم أصحاب البدع والأهواء والضلالة, وقرأها على بن أبى
طالب فارقوا أى تركوه إلى ما سواه, (القرطبى) ولست منهم أى أنت برىء منهم,
وتقر الآية التالية القانون الإلهى الذى يحاسب الله سبحانه وتعالى به البشر
أجمعين, الحسنة بعشر أمثالها, والسيئة بِمثلها,

-
قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً
مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ
إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
(162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ
الْمُسْلِمِينَ (163)

جاء فى تفسير القرطبى :
{"دينا"
نصب على الحال؛ عن قطرب. وقيل: نصب بـ "هداني" عن الأخفش. قال غيره: انتصب
حملا على المعنى؛ لأن معنى هداني عرفني دينا. ويجوز أن يكون بدلا من
الصراط، أي هداني صراطا مستقيما دينا. وقيل: منصوب بإضمار فعل؛ فكأنه قال:
اتبعوا دينا، واعرفوا دينا ,} وعندى أنه منصوب بإضمار حال والتقدير : متبعا
دينا

هذا ما أمر الحق سبحانه وتعالى نبيه [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
أن يعلنه للناس كافة , بعدما تبرأ من أولئك الذين فرّقوا دينهم , وهذا هو
ما يخلص إليه الدين الإسلامى الحنيف وعقيدة التوحيد السمحة .

-
قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا
تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا
كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ
الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي
مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ
رَحِيمٌ (165)

جاء فى تفسير الطبرى :
{روي أن الكفار قالوا للنبي [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]:
ارجع يا محمد إلى ديننا، واعبد آلهتنا، واترك ما أنت عليه، ونحن نتكفل لك
بكل تباعة تتوقعها في دنياك وآخرتك؛ فنزلت الآية. وهي استفهام يقتضي
التقرير والتوبيخ. و"غير" نصب بـ "أبغي" و"ربا" تَمييز.}انتهى. هذا الرد
الحاسم على هؤلاء الكفار, يؤكد على ما جاءت به عقيدة التوحيد, فالله هو رب
كل شىء سبحانه وتعالى عما يشركون, ولا تأثم نفس بإثم أخرى, وقد خلق الله
البشر أقواما بعضها يخلف بعضا, ورفع بعضهم فوق بعض درجات فى كل مجالات
الحياة, وفى هذا المعنى لنا أن نتصور حال البشر لو أنّهم على درجة واحدة فى
مجال العلم مثلا أو فى مجال الثروة أو فى أى مجال, كيف تسير الحياة, وكيف
يكون الحساب والعقاب؟ وإنّما خلق الله البشر ورفع بعضهم فوق بعض درجات
ليحاسبهم على ما آتاهم, وليكون أمرهم إلى الله وحده , فهو سريع العقاب وهو
أيضا غفور رحيم, سبحانه وتعالى عما يشركون.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://kholif.forumegypt.net
 
تأملات فى سورة الأنعام
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات امواج اسكندرية :: المنتديات الإسلامية العامة :: القرآن الكريم :: تفسير القرآن الكريم-
انتقل الى: